الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أي مشروعية لمشروع قانون ينظم مهنة المحاماة دون دراسة أثر مسبقة؟
خالد خالص
2026 / 2 / 23دراسات وابحاث قانونية
يثير مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة نقاشا قانونيا ومؤسساتيا متصاعدا، ليس فقط بسبب مضامينه التي تعيد هيكلة جوانب أساسية من المهنة، بل أساسا بسبب الطريقة التي أُعد بها، في ظل غياب دراسة الأثر التشريعي التي يفرضها الدستور
والقانون التنظيمي المنظم لأشغال الحكومة.
ففي الوقت الذي باتت فيه دراسة الأثر ركيزة أساسية في
التشريع الحديث، باعتبارها أداة لتقييم النتائج القانونية والمؤسساتية والاجتماعية والمالية لأي نص قبل اعتماده، يلاحظ أن مشروع قانون المحاماة قدم مكتفيا بمذكرة تقديم "تفسيرية"،
دون إنجاز دراسة أثر مستقلة وفق المعايير القانونية المعتمدة.
دستور 2011 لم يكتف بتحديد اختصاصات الحكومة، بل ألزمها باحترام مسطرة مضبوطة في إعداد مشاريع القوانين، من خلال إحالة تنظيم أشغالها إلى قانون تنظيمي، في تجسيد واضح لمبدأ
دولة القانون والحكامة الجيدة.
وفي هذا السياق، جاء القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة ليجعل من دراسة الأثر التزاما قانونيا صريحا، حيث نص على وجوب إرفاق مشاريع القوانين، إلى جانب مذكرة التقديم، بدراسة أثر تشمل الأهداف المتوخاة، والآثار القانونية والمؤسساتية، والانعكاسات الاقتصادية والمالية، والآثار الاجتماعية، ومدى انسجام المشروع مع المنظومة
القانونية الوطنية والالتزامات الدولية.
وبذلك، لم تعد دراسة الأثر آلية شكلية أو وثيقة استشارية، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من مسطرة إعداد التشريع.
ويميز القانون التنظيمي بوضوح بين مذكرة التقديم، التي تكتفي بعرض السياق العام وأسباب إعداد المشروع، وبين دراسة الأثر، التي تشكل وثيقة تحليلية تقييمية مستقلة، تقوم على معطيات
كمية ونوعية، وتقارن بين الخيارات الممكنة وآثار كل منها.
غير أن ما رافق مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة هو الاكتفاء بمذكرة تقديم تبريرية عامة تتحدث عن "تحديث المهنة" و"مواكبة التحولات"، دون تقديم تقييم دقيق ومفصل للآثار الحقيقية للنص المقترح، وهو ما يشكل خرقا صريحا لمقتضيات القانون التنظيمي وإفراغا لمبدأ جودة التشريع من مضمونه.
وتزداد خطورة هذا القصور الإجرائي بالنظر إلى طبيعة مشروع القانون، الذي لا يتعلق بنص تقني محدود، بل يمس مهنة دستورية مرتبطة بحق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، ويعيد توزيع الاختصاصات بين الدولة والهيئات المهنية، ويحدث بنيات
تنظيمية جديدة ذات كلفة مالية ومؤسساتية معتبرة.
فرغم حساسية هذه التحولات، لم تنجز أي دراسة تقيم أثر المشروع على استقلالية مهنة المحاماة، أو انعكاساته على اختصاصات الهيئات المهنية، أو الكلفة المالية لإحداث معهد التكوين ومجلس الهيئات، أو نتائج نقل اختصاصات التكوين والتأديب، أو الآثار الانتقالية على المتمرنين والمحامين المزاولين.
ولا يظل غياب دراسة الأثر دون نتائج، إذ يترتب عنه خرق صريح لمقتضيات القانون التنظيمي المنظم لأشغال الحكومة، وقيام عيب إجرائي جوهري في مسطرة إعداد مشروع القانون، وإضعاف جودة النقاش البرلماني بسبب غياب معطيات تقييمية دقيقة، فضلا عن فتح الباب أمام الدفع بعدم الدستورية استنادا إلى الإخلال بمبادئ الحكامة وجودة التشريع.
ورغم أن القضاء الدستوري لم يقر بعد قاعدة آلية تقضي بعدم دستورية كل قانون غير مرفق بدراسة أثر، إلا أنه استقر على مبدأ مفاده أن أي قصور إجرائي يؤثر جوهريا على جودة التشريع أو على سلامة النقاش البرلماني قد يؤدي إلى الحكم بعدم الدستورية.
وخلاصة القول، إن دراسة الأثر لم تعد ترفا تشريعيا، بل أصبحت ضمانة أساسية لجودة القاعدة القانونية وحماية التوازنات المؤسسية. ويظل غيابها في مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة إخلالا جوهريا بمقتضيات دستورية وتنظيمية، من شأنه أن يطرح تساؤلات جدية حول مشروعية النص وحول احترام منهجية التشريع في دولة الحق والقانون.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع
.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر
.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق
.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق
.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات