الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الصحافة بين القرارات المرتبكة وإصلاح مؤجل، من يدبر المرحلة الانتقالية الناشرين أم الصحفيين؟
محمد الزيري
صحفي مهني، باحث اكاديمي حاصل على شهادة الدكتوراه
(Ezziri Mohammed)
2026 / 2 / 23
الصحافة والاعلام
في كل مرة يعتقد فيها الفاعلون في قطاع الصحافة والنشر أن المشهد يتجه نحو وضوح مؤسساتي، تظهر مستجدات تعيد الأمور إلى نقطة الغموض. سحب مشروع مرسوم-قانون كان يهدف إلى إحداث لجنة إدارية لتسيير القطاع خلال مرحلة انتقالية ليس مجرد تعديل تقني في المسار التشريعي، بل هو مؤشر على ارتباك عميق في تدبير واحد من أكثر القطاعات حساسية في البناء الديمقراطي.
الحديث عن “ضمان استمرارية المرفق العمومي” يبدو منطقيا في الظاهر، لكن السؤال الجوهري يظل معلقا: لماذا يصل قطاع الصحافة إلى وضع يحتاج فيه في كل مرة إلى حلول انتقالية واستثنائية؟ ولماذا يتحول التنظيم الذاتي، الذي يفترض أن يكون عنواناً للاستقلالية، إلى ملف يدار بمنطق الترقيع المؤقت؟
إن الإشكال لا يكمن فقط في سحب نص قانوني أو إعادة صياغة آخر، بل في غياب رؤية مستقرة ومتوافق حولها لتنظيم المهنة. قطاع الصحافة لا يحتمل منطق التجريب المتكرر، لأن أي فراغ أو تضارب في المرجعيات ينعكس مباشرة على وضعية الصحافيين، وعلى مصداقية المؤسسات، وعلى صورة البلاد في ما يتعلق بحرية التعبير.
أما مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، والذي أُعيدت صياغته بعد ملاحظات المحكمة الدستورية، فيطرح بدوره أكثر من علامة استفهام. صحيح أن ملاءمة النصوص مع التوجيهات الدستورية خطوة ضرورية، لكن الإشكال الأعمق هو: لماذا لم يحسم هذا النقاش منذ البداية ضمن مقاربة تشاركية حقيقية تجنب القطاع هذا المسار المتعثر؟
الصحافيون اليوم لا ينتظرون فقط مجلسا جديدا، بل ينتظرون مؤسسة قوية، مستقلة فعليا، قادرة على حماية أخلاقيات المهنة دون أن تتحول إلى أداة ضبط أو تضييق. المجلس ينبغي أن يكون درعا للمهنة لا عبئا إضافيا عليها. غير أن التجارب السابقة أظهرت هشاشة في الحكامة، وصراعات داخلية، وتوظيفا سياسيا غير مباشر أضعف الثقة في التجربة برمتها.
الأخطر أن هذه المستجدات تأتي في سياق يعاني فيه القطاع من أزمات مركبة: هشاشة اقتصادية للمقاولات الصحفية، أوضاع اجتماعية صعبة للصحافيين، تحولات رقمية متسارعة، وتراجع في منسوب الثقة لدى الجمهور. بدل أن تكون الأولوية لمعالجة هذه الأعطاب البنيوية، ينشغل الفاعلون في دوامة النصوص الانتقالية والتعديلات المتلاحقة.
إذا كان الهدف فعلا هو تعزيز الحكامة، فإن الإصلاح لا يجب أن يختزل في إعادة تركيب الأجهزة، بل ينبغي أن ينطلق من مبادئ واضحة: استقلالية حقيقية عن السلطة التنفيذية، تمثيلية عادلة وشفافة داخل المجلس، آليات انتخاب نزيهة ومراقبة، وربط فعلي بين المسؤولية والمحاسبة داخل الهيئات المهنية نفسها.
من بين الحلول الجوهرية التي ينبغي التفكير فيها، إطلاق حوار وطني موسع حول مستقبل الصحافة، لا يقتصر على الفاعلين التقليديين، بل يشمل صحافيين شباباً، ومقاولات رقمية، وخبراء قانونيين، ومنظمات حقوقية. كما أن إصلاح المنظومة يمر عبر مراجعة نموذج الدعم العمومي، ليصبح قائما على معايير الشفافية والجودة والاستقلالية، لا على منطق القرب أو الولاء.
ثم إن ضمان الاستمرارية لا يعني فقط استمرار الهياكل، بل استمرار الثقة. والثقة لا تبنى بقرارات فوقية أو حلول استعجالية، بل بإشراك حقيقي، وتواصل واضح، وإرادة سياسية صريحة في تحصين حرية الصحافة بدل الاكتفاء بتدبيرها إداريا.
اللحظة الحالية ليست تقنية بل سياسية بامتياز. إما أن تتحول إلى فرصة لإعادة تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمهنة، قائمة على الاحترام المتبادل والاستقلالية المسؤولة، وإما أن تبقى حلقة أخرى في مسلسل إصلاحات مبتورة تنتج مزيدا من الالتباس.
الصحافة ليست مرفقا عاديا يمكن تدبيره بمنطق الطوارئ التشريعية، بل هي ركيزة من ركائز التوازن الديمقراطي. وأي تردد أو ارتباك في تنظيمها ينعكس مباشرة على جودة الحياة العامة. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط مجلسا جديدا، بل تعاقدا جديدا مع الصحافة، عنوانه الوضوح، والاستقلال، والمحاسبة.
ومن بين أعقد الإشكالات التي ظلت تتقل كاهل هذه التجربة، مسألة تمثيلية الناشرين داخل المجلس. فكيف يمكن الحديث عن مجلس وطني للصحافة يفترض فيه أن يكون إطارا لتنظيم المهنة وحماية أخلاقياتها، بينما يدمج فيه طرف يحمل بطبيعته صفة المشغل وصاحب المصلحة الاقتصادية؟ إن الخلط بين من يمارس الفعل الصحفي ومن يملك وسيلة الإنتاج يخلق تضاربا بنيويا في المصالح، ويربك وظيفة المجلس بين الدفاع عن أخلاقيات المهنة وحماية التوازنات الاقتصادية للمقاولات.
الناشر فاعل أساسي في المنظومة الإعلامية، ولا أحد ينكر دوره، لكن موقعه الطبيعي هو في إطار تمثيلي مهني خاص به، يعنى بقضايا الاستثمار، والدعم، والإكراهات الاقصادية، والتفاوض مع الدولة حول شروط السوق. أما مجلس الصحافة، فينبغي أن يظل فضاء يعبر أولا وأخيرا عن الجسم الصحفي، وعن استقلالية القرار المهني بعيدا عن ضغط الحسابات التجارية.
التجارب المقارنة تظهر أن الخلط بين الوظيفتين ينتج مجالس هجينة، تتجاذبها اعتبارات التحرير والربح في آن واحد، فتضيع البوصلة. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يمر عبر فصل واضح للأدوار: مجلس وطني للصحافة يمثل الصحافيين ويضبط أخلاقيات المهنة، وهيئة مستقلة للناشرين تدافع عن مصالحهم الاقتصادية وتدبر شؤونهم التنظيمية. غير ذلك سيظل النقاش يدور في حلقة مفرغة، وسيبقى السؤال مطروحا: هل نحن أمام مجلس لتنظيم المهنة، أم أمام فضاء لتوازن المصالح؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. وزير الخارجية السعودي يؤكد أهمية حرية الملاحة وسلامتها في مض
.. طهران ومسقط تؤجلان اجتماعا خليجيا وانفجارات مجهولة تهز سيريك
.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف
.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي
.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا