الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من المقال إلى التعليق: عنصرية تُكتب على هامش الخبر من إسبانيا إلى المغرب

محمد المذكوري

2026 / 2 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


التعليق… من فضاء للنقاش إلى مجال للتطبيع
يؤدي المقال الصحافي عموماً وظيفة الإخبار أو التحليل أو تفسير حدث من ‏الأحداث، في حين يُقدَّم التعليق بوصفه مساحة للتفاعل السريع مع الخبر على المواقع ‏الإلكترونية للجرائد، يُفترض فيها أن تكون مفتوحة وديمقراطية. غير أن هذا الهامش ‏الرقمي تحوّل، في كثير من الحالات، إلى مجال يُعاد فيه إنتاج خطابات عنصرية ‏ويُطَبَّعها، خصوصاً عندما تتناول الأخبار قضايا الهجرة، أو الحدود، أو حضور «الآخر» ‏المختلف إثنياً أو دينياً أو اقتصادياً أو ثقافياً.‏
أنماط خطابية تتكرر بتغيّر الأخبار
لم يعد الأمر مرتبطاً بحالات معزولة أو بتعليقات فردية خارجة عن السياق. ‏فالتعليقات المصاحبة للأخبار المتعلقة بالوصول إلى الحدود، أو بعمليات الإنقاذ في البحر ‏الأبيض المتوسط، أو المحيط الأطلسي، أو بتسوية أوضاع المهاجرين، أو بجرائم يكون ‏المشتبه فيهم من الأجانب، تكشف عن أنماط خطابية متكررة.‏
تتغيّر العناوين والأسماء، لكن العبارات ذاتها تتكرر: «غزو»، «أثر الجذب»، ‏‏«ليسوا لاجئين حقيقيين»، «لا يندمجون»، «يستبدلوننا»، «عددهم كبير». وهكذا تتحول ‏خانة التعليقات إلى فضاء يعكس، بشكل مكثف، نقاشاً عمومياً قائماً على الخوف، وبناء ‏الهوية عبر الإقصاء.‏
نظرية الاستبدال: سردية جاهزة لكل حدث
ويبرز في هذا السياق حضور ما يُعرف بـ نظرية الاستبدال، وهي سردية وافدة من ‏النقاشات اليمينية الأوروبية، جرى تكييفها مع المخيال الجماعي في بلدان متوسطية كانت ‏تُقدَّم طويلاً باعتبارها بعيدة عن العنصرية المؤسساتية.‏
ووفق هذا الطرح، يُنظر إلى المهاجرين، ولا سيما المسلمين والأفارقة، باعتبارهم ‏تهديداً ديموغرافياً وثقافياً ودينياً لما يُسمى «الهوية الوطنية». وتُدعَّم هذه الفكرة في ‏التعليقات بأرقام غير دقيقة أو مؤوَّلة، وبمقارنات مبسطة، إن لم نقل سطحية، وبخطاب ‏يقوم على الإحساس بالخسارة: «سنفقد بلدنا»، «لن نستطيع التعرّف على مدننا».‏
ويختفي الحدث الملموس، الذي كان سبب المقال في الأصل، ليغدو الخبر مجرد ‏ذريعة لتكرار خطاب جاهز.‏
النقاء والذاكرة التاريخية للتمييز
ولا تنفصل هذه الخطابات عن خلفيات تاريخية عميقة. فاستدعاء فكرة النقاء، ‏سواء تعلق الأمر بنقاء الدم أو العقيدة أو العادات، يحيل، في السياق الإسباني مثلاً، إلى ‏تاريخ طويل من الإقصاء القائم على التمييز الديني والعرقي، من الاضطهادات ‏القرووسطية إلى هوس نقاء الدم بعد طرد «الآخر» أو تنصيره قسراً.‏
واليوم لم تعد هذه المفردات حاضرة بصيغتها القديمة، لكنها تُستبدل بخطاب عن ‏‏«القيم»، و«نمط العيش»، و«عدم التوافق الثقافي» أو «الاختلاف الثقافي». يتغير ‏المعجم، لكن المنطق يبقى نفسه، خصوصاً في الخطابات المحافظة واليمينية.‏
الآخر القريب جغرافياً والبعيد رمزياً
يحتل «الآخر القريب جغرافياً والبعيد رمزياً» موقعاً مركزياً في هذا الخطاب. ففي ‏التعليقات، يُقدَّم هذا الآخر باعتباره كتلة واحدة غير قابلة للاندماج، ويُربط تلقائياً ‏بسلوكيات نمطية مثل العنف أو التطرف أو الاحتيال.‏
ويتحول الدين إلى سمة ثابتة تُلغى من خلالها المسارات الفردية، ويُجرَّد من كونه ‏ممارسة روحية ليُقدَّم كهوية مغلقة. كما يتعرض المهاجرون القادمون من إفريقيا جنوب ‏الصحراء لخطاب يُجردهم من الفردية، ويختزلهم في صور الفوضى والضغط على ‏الحدود، في حين يُتسامح مع المهاجرين من أميركا اللاتينية بشكل مشروط، ما دام ‏حضورهم محصوراً في هوامش العمل والمجتمع، وألا يخرجوا من القوالب الدلالية ‏والاجتماعية المرسومة لهم.‏
الحدود: من الجغرافيا إلى الرمز
وتلعب الحدود، بوصفها مفهوماً مادياً ورمزياً، دوراً محورياً في هذه الخطابات. ‏فهي لا تُقدَّم فقط كخطوط جغرافية، بل كجدران تحمي «الداخل» من «الخارج». ويُصاغ ‏الدفاع عنها بوصفه واجباً أخلاقياً، بينما يُقدَّم أي خطاب إنساني متفهّم لعابري البلدان ‏والقارات باعتباره سذاجة أو تهديداً للأمن.‏
وفي التعليقات، يُبرَّر العنف الرمزي، وأحياناً المادي، باسم الأمن أو الاستقرار أو ‏‏«الحفاظ على الهوية».‏
عندما يعيد المشهد نفسه في المغرب
ولا تقتصر هذه الظواهر على الفضاء الإعلامي الخارجي. ففي المغرب، تُظهر ‏التعليقات المصاحبة للأخبار المتعلقة بالهجرة والحدود والعلاقات مع أوروبا ديناميات ‏مشابهة، وإن انطلقت من سياقات مختلفة.‏
ففي الصحافة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، كثيراً ما يتعرض المهاجرون ‏القادمون من إفريقيا جنوب الصحراء لخطاب وصم، ويُقدَّمون باعتبارهم عبئاً على المدن ‏أو سوق العمل أو التماسك الاجتماعي، في حين يُصوَّر المغرب كـ «بلد عبور» يتحمّل ‏مسؤولية مشكلة مفروضة عليه من الخارج. وفي الوقت نفسه، تُفعَّل في التعليقات حول ‏التعاون مع أوروبا أو مراقبة الهجرة خطابات وطنية دفاعية، تُبنى فيها الهوية في مواجهة ‏الآخر، الإفريقي أو الأوروبي، وتُبرَّر أشكال من الإقصاء باسم السيادة والأمن. ولغريب ‏الصدف انه تستعمل نفس الأساليب الخطابية الموجهة للمغاربة والمسلمين في بعض ‏صحافة شمال البحر الأبيض المتوسط.‏
التعليق وتأثيره في النقاش العمومي
ويجدر التذكير بأن هذه التعليقات ليست مجرد آراء عابرة. فهي تؤثر في النقاش ‏العمومي، وتُسهم في تطبيع مواقف متشددة، غالباً ما تكون بعيدة ليس فقط عن الأخلاق، ‏بل أيضاً عن القوانين المؤطرة للهجرة. كما تمارس ضغطاً غير مباشر على وسائل ‏الإعلام، التي كثيراً ما تصوغ عناوينها أو تختار زوايا التغطية استباقاً لردود فعل ‏جمهورها. وهكذا يتشكل منطق دائري يُغذّي فيه الخبر التعليق، ويؤثر فيه التعليق على ‏الخبر.‏
مسؤولية الإعلام وحدود حرية التعبير
ولا تقع المسؤولية على المعلقين وحدهم، بل تشمل أيضاً المؤسسات الإعلامية، من ‏خلال سياساتها التحريرية، وطريقة إدارة التعليقات، ومستوى التأطير والتحليل الذي ‏تقدمه. فحرية التعبير لا تعني غياب المسؤولية، والعنصرية لا يمكن التعامل معها بوصفها ‏رأياً عادياً، بل بوصفها شكلاً من أشكال العنف الرمزي ذي آثار اجتماعية ملموسة.‏
أي دور للتعليق في الصحافة الرقمية؟
أمام هذا الواقع، يطرح التحدي نفسه على مستويين: تفكيك الخطابات التي تجعل ‏من الهجرة تهديداً دائماً، ومن التنوع مشكلة بنيوية، وإعادة التفكير في موقع التعليق داخل ‏الصحافة الرقمية، باعتباره إما فضاءً للفوضى والانفعال، أو مجالاً ممكناً للنقاش العقلاني ‏والمسؤول.‏
فمتى كان السبّ أو التحريض حرية تعبير؟ إن الهامش الذي تُكتب فيه التعليقات لم ‏يعد هامشياً، بل أصبح جزءاً فاعلاً في تشكيل الرأي العام.‏








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نيكارغوا تتهم ألمانيا بدعم إسرائيل في الحرب على غزة وخرق الق


.. ترمب لفوكس نيوز: الإيرانيون يواصلون القتال بصعوبة وهم في مأز




.. نقاش الساعة - هل ينجح ترمب في احتواء تداعيات إغلاق هرمز؟


.. قواعد اشتباك جديدة بين واشنطن وطهران والملف النووي في الصدار




.. كندا تبدأ تطبيق رسوم جمركية مضادة على واردات أمريكية