الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
دقة قديمة ؟
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2026 / 2 / 24
قضايا ثقافية
نحن، الذين يصفوننا بـ "الدقّة القديمة"، الراسبين من القرن الماضي، بملامحنا التي لا تعرف فلاتر التيك توك ولا الانستغرام، وشهاداتنا التي تلمع على الجدران لا في واجهات العرض. نحن أصحاب الذوق والمظهر القديم، المثقلون بسنوات أعمارنا كالشجرة مثقلة بحلقاتها، نحمل في نظراتنا نبرة المعلمين القدامى الذين يعرفون أن التجربة أثمن من الشهادة، وأن الشهادة لا تصنع إنسانًا إن لم يكن فيه ضمير.
نحن الذين نجرجر ماضينا معنا، لا خجلاً منه بل خوفاً عليه من الضياع. نحمله كما نحمل الأمانة الثقيلة، نعرف وزنه وثمنه وكم دفعنا لنحتفظ به حياً في زمن يهوى النسيان السريع. تعلمنا أن الرغيف ليس مجرد خبز، بل كرامة مخبوزة على نار الانتظار، وأن شربة الماء قد تكون أحياناً أصدق من ألف خطاب. نعرف قيمة الرغيف وشربة الماء، وإن أغلقت الأبواب كيف نصنع من الخشب مفاتيح جديدة، وإن أظلمت الدروب كيف نخلق من الشرارة شمعة تقودنا.
نعرف كيف نرد الصاع بمائتين، لا لأننا هواة خصام، بل لأننا تعلمنا أن الذاكرة التي لا تدافع عن نفسها شهية المذاق. نتقن استخدام الكمبيوتر، نعم، ولكن دون أن تنطفئ فينا دفء الأصابع التي كانت تكتب الحروف الأولى على الورق بخط مرتجف وعطر من الحبر الأسود. نعرف كيف نصنع من العدم أشياء وأشياء، لأننا جيل تربى على مبدأ بسيط: إذا لم تجد الطريق، فعليك ان تشقه بنفسك.
ومهما تآكل الجسد وخذلتنا المفاصل وبدأت ساعاتنا البيولوجية تطن كمنبه قديم لا يغلق، نعرف كيف نستل العزيمة من جيوب الأيام القاسية، كيف ننهض حين نتعثر قبل أن نسقط، وكيف نعيد ترتيب أرواحنا ولو بعكاز معنوي مكسور. لأننا تعلمنا أن الكبوة فضيلة والوقوف بعدها بطولة. نحن لا ندعي الكمال، لكننا نميز الخير من الشر حتى لو اختلطت علينا الألوان أحياناً، فنحن نرى بالحدس لا بالعين فقط، نقرأ الوجوه كما يقرأ الفلاح الغيم قبل المطر، لأن بوصلتنا ليست مبرمجة على الانحراف السريع.
نجيد فن الاعتذار دون خضوع، ونمارس المغفرة دون ضعف، لأن قلوبنا لم تتعلم بعد هندسة الأحقاد الحديثة. نعرف الأصول والحدود والاحترام، ونعرف أن الكلمة الطيبة تشفي ما لا تشفيه الخطابات، وأن الاحترام ليس زر إعجاب، بل موقف ندفع ثمنه صمتاً أحياناً ووقوفاً طويلاً أحياناً أخرى.
نحن الذين ما زلنا نعرف معنى الحب الحقيقي، ذاك الذي لا يحتاج إلى واي فاي ليبقى متصلاً، ولا إلى رموز تعبيرية ليثبت حضوره، ولا إلى أزرار هاتف للقياس، ولا إلى صور معلقة ليدوم، ولا إلى وعد نردده ليبقى. نعرف الوفاء حين كان كلمة تقال مرة وتكفي العمر كله، كما نعرف الماء بلا لون لكنه حياة. نعشق رائحة الخبز حين يخرج ساخناً كقلب أم، ورائحة الأرض بعد المطر حين تتكلم التربة بلغتها الأولى، ونعرف طعم كل الفصول لأننا عشناها فعلاً، لا لأننا مررنا عليها بأصابعنا فوق شاشة.
صحيح… معرفتنا أوسع من قدرتنا أحياناً، وخطانا أبطأ من زمن يركض بلا سبب، لكننا، رغم كل هذا الصدأ الجميل، ما زلنا نحاول أن نبقى واقفين في وجه الريح، لا لنثبت أننا الأفضل، بل كي لا نصبح مجرد حاشية منسية في كتاب هذا العصر. نعرف أن الشمس قد تغيب، لكن الضوء الذي علمناه للآخرين لا يغيب. ما زلنا نحاول السير بثبات وكرامة، كما يفعل كل من يعرف أن الجمال في الصمود لا في السرعة.
لكن كل ما نخشاه… كل ما يخز قلوبنا كوخزة برد مباغت… أن نكون فعلاً… آخر نسخة من جيلٍ كهذا، جيلٍ كان يخطئ بشرف، ويحب بصدق، ويصمت حين يكون الكلام بلا معنى، ويؤمن أن الإنسان ليس بما يملك، بل بما يبقى منه حين يذهب كل شيء.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. 86 مليون دولار تحت الأرض.. هل هذه أكبر حرب على الفساد في الع
.. تذمر في تونس بسبب انقطاعات متكررة في الماء والكهرباء
.. مستشفى بريطاني يرفض استقالة طبيب سوري ويدعم مهمته الإنسانية
.. ماهي طقوس -الكابالا- ولماذا يتشبث بها الأرجنتيون؟
.. ما الرسالة وراء توسيع إيران هجماتها في المنطقة؟.. مراسل CNN