الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يعتلي التافه المنبر: انقلاب المعايير في غزة الجريحة

رمزي عطية مزهر

2026 / 2 / 25
قضايا ثقافية


في غزة، لا تسقط القذائف وحدها، بل تسقط معها أحياناً إلى مقاييس الأشياء. في زمن الحرب، لا يعلو صوت المدافع فقط، بل تعلو كذلك أصوات لم يكن لها يوماً وزن، وتتمدد ظلال أشخاص لم يصنعوا مجدا بعلم أو خُلق أو تضحية، بل صنعتهم الفوضى ورفعتهم الحاجة.
كيف يحدث أن يصبح التافه متحكما، وأن يتحول الفاشل إلى مرجعية، وأن ينصاع له من يجب أن يكونوا على قمة هيكل المجتمع ، بل ويلبي نداءه متعلمون ومثقفون ووجهاء من اكاديمين وأطباء ومهندسين وقيادات المجتمع المدني
ليس لأن المجتمع فقد وعيه، بل لأنه فقد توازنه.
حين تختل البوصلة:
المجتمعات في حالتها الطبيعية تفرز نخبها وفق معايير واضحة: العلم، الخبرة، النزاهة، التاريخ المشرف. لكن حين تضرب الحرب جذور الاستقرار، تتغير المعادلة. لا يعود السؤال: من الأكفأ؟
بل يصبح: من يستطيع أن يفتح بابا مغلقا؟ من يملك واسطة؟ من يستطيع إدخال شاحنة مساعدات؟ من يوفر حماية ولو شكلية؟
في لحظة الحاجة القصوى، يتقدم من يملك مفاتيح اللحظة، لا من يملك مفاتيح المستقبل.
هنا يطفو من لم يكن يُرى، ويتراجع من كان يُحترم. لا لأن الأول أفضل، بل لأنه أكثر جرأة على استثمار الألم. يستغل الفراغ، يتسلل إلى مساحات الخوف، ويقدم نفسه بوصفه المنقذ، بينما هو في كثير من الأحيان مجرد مستثمر في وجع الناس.
انصياع لا يشبه القناعة:
قد يبدو مشهد انصياع بعض الوجهاء أو المتعلمين صادما. لكن خلف هذا المشهد طبقات من التعقيد.
هناك من ينحني لا اقتناعا، بل حمايةً لأهله.
وهناك من يتعاون لا إعجابا، بل بحثا عن منفذ يخدم به الناس.
وهناك من يساير لأنه يدرك أن الصدام في زمن هشّ قد يضاعف الخسارة.
إنه انصياع الضرورة، لا انصياع الإيمان.
ومع تكرار المشهد، تتآكل الحدود بين القناعة والمجاراة، بين الاحترام الحقيقي والهيبة المصطنعة، حتى يبدو المشهد وكأن المجتمع انقلب رأسا على عقب.
صعود العشيرة حين تغيب المؤسسة: سيادة القانون
عندما تضعف المؤسسات أو تُشلّ بفعل الحرب، يعود الناس إلى دوائرهم الأولى: العائلة، العشيرة، المختار.
هذا ليس جديداً في التاريخ الاجتماعي، لكنه في السياق الراهن أخذ أبعاداً مختلفة. تحولت العشيرة من إطار تضامن اجتماعي إلى ساحة نفوذ، ومن ملاذ أمان إلى أداة تنافس.
وفجأة، أصبح كثيرون يسعون إلى “ركوب القطار”:
من يبحث عن وجاهة سريعة،
ومن يريد مظلة حماية،
ومن يطمع في نصيب من سلطة بلا مساءلة.
هكذا تتسع الدائرة، ويتضخم النفوذ، ويختلط الصوت الاجتماعي بالصوت المصلحي.
من يتحكم فعلًا؟
التحكم اليوم ليس لقبا رسميا، بل قدرة عملية.
من يتحكم هو من يستطيع أن يؤثر في مسار المساعدة، أو يوجه قرارًا ميدانيًا، أو يفرض حضورًا في لحظة فراغ. إنها شبكة معقدة من قوى الأمر الواقع، ووسطاء، وشخصيات عشائرية، ومراكز تأثير غير مرئية.
لكن أخطر ما في الأمر ليس من يتحكم الآن، بل المعايير التي يُعاد تشكيلها بصمت.
حين يتعود الناس على رؤية غير المستحق في موقع القرار، يبدأ الوعي الجمعي بالتأقلم. وحين يتكرر المشهد، يصبح اعتياديا. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
هل انكسر المجتمع؟
لا.
المجتمعات لا تُقاس بلحظات ضعفها، بل بقدرتها على تجاوزها.
ما يحدث في غزة اليوم هو ارتباك قيمي فرضته حرب قاسية، لا تحوّل جوهري في جوهر الإنسان الغزّي. تحت الركام، لا تزال قيم الكرامة والعلم والنزاهة حية، لكنها مؤجلة، محاصرة، تنتظر مساحة لتتنفس.
التاريخ يعلمنا أن الفوضى ترفع أصواتاً عالية، لكنها نادراً ما تُبقيها طويلاً . وعندما تهدأ العاصفة، يعاد فرز المشهد من جديد. يسقط من صعد بلا جذور، ويثبت من امتلك عمقًا حقيقياً .
السؤال ليس لماذا صعد التافه اليوم، بل كيف سيعيد المجتمع ترتيب سلمه القيمي غداً.
وفي غزة، التي خبرت الألم والصمود معا، لعل الإجابة تُكتب بعد أن ينقشع الغبار، ويعود الميزان إلى يده الأصلية: يد الوعي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المؤتمر الصحفي المشترك لرئيسي وزراء المغرب وفرنسا في الرباط


.. قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع فيدوروف يشعل موجة غضب في ال




.. ألمانيا.. ما الذي يدفع الشباب إلى الالتحاق بالجيش؟


.. واشنطن تستهدف قدرات الرصد الإيرانية وسط مؤشرات وساطة للتهدئة




.. وزارة النفط العراقية تحقق في سقوط جسم غريب بمياهها الإقليمية