الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ميزان القرب وتحولات الطبقة الوسطى في الأردن: قراءة في اختلال العقد الاجتماعي

يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)

2026 / 2 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


في الأردن، لا يمكن فهم أزمة الطبقة الوسطى عبر الأرقام وحدها. البطالة التي تدور حول 21-22%، بطالة الشباب التي تتجاوز 40%، دين عام يتخطى 110% من الناتج المحلي، تضخم يضغط على الغذاء والطاقة والسكن، كل هذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تشرح وحدها ما يحدث. ما يحدث أعمق من عجز مالي أو تباطؤ نمو. ما يحدث هو اختلال في ميزان القرب بين الدولة وطبقتها المنتجة.
ميزان القرب، كمدرسة فكرية، لا يقيس المسافة الجغرافية بين المواطن وصانع القرار، بل يقيس درجة الإحساس المتبادل بالاحتساب داخل المعادلة. حين يشعر الفرد أن جهده يدخل في منظومة عادلة تعترف بعطائه وتحمي استقراره، يكون الميزان متوازناً. وحين يشعر أن التزامه الضريبي، وانضباطه القانوني، واستثماره في تعليم أبنائه لا يقابله أفق واضح أو حماية كافية، يبدأ الميزان بالاختلال.

الطبقة الوسطى الأردنية كانت تاريخياً نتيجة معادلة واضحة: تعليم جيد نسبياً، وظيفة مستقرة، قدرة على التملك، هامش ادخار، وشعور عام بأن الصعود الاجتماعي ممكن عبر الاجتهاد. هذه المعادلة شكلت العقد غير المكتوب بين الدولة والمجتمع. لكن خلال العقدين الأخيرين، ومع تراجع معدلات النمو، وارتفاع كلفة المعيشة، وتوسع الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، بدأت المعادلة تتآكل.
ضريبة المبيعات المرتفعة، والتي تطال الجميع تقريباً، تضغط بشكل مباشر على الطبقة الوسطى لأنها الفئة الأكثر استهلاكاً ضمن الاقتصاد النظامي. في المقابل، الأجور الحقيقية لم ترتفع بما يتناسب مع التضخم، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية. النتيجة ليست فقط ضغطاً مالياً، بل شعوراً متزايداً بأن الأعباء تتصاعد أسرع من الفرص.

وفق مدرسة ميزان القرب، المشكلة هنا ليست اقتصادية بحتة. المشكلة أن المواطن المتوسط بدأ يشعر أن الدولة تقترب منه عند الجباية أكثر مما تقترب عند الحماية الاقتصادية. تقترب في تحصيل الضريبة، لكنها تبتعد في ضمان الوظيفة أو تخفيف كلفة السكن أو خلق أفق استثماري واسع. عندما يختل هذا التوازن الإدراكي، حتى لو كانت السياسات مبررة مالياً، فإن الإحساس العام يميل إلى البرود.
اقتصادياً، الطبقة الوسطى هي المحرك الداخلي للنمو. إذا تراجعت قدرتها على الاستهلاك والادخار، يضعف الطلب، وتتراجع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويتباطأ خلق الوظائف. هنا يعود الاختلال ليغذي نفسه: بطالة مرتفعة تقلل القوة الشرائية، ضعف القوة الشرائية يقلل الاستثمار، انخفاض الاستثمار يعمق البطالة. الحلقة الاقتصادية تعكس في جوهرها حلقة قرب مختلة.

سياسياً، الأردن يتمتع باستقرار مؤسسي مهم في منطقة مضطربة. لكن الاستقرار لا يُقاس فقط بغياب الانفجار، بل بوجود الثقة. حين تتآكل الطبقة الوسطى، لا تخرج فوراً إلى الشارع، بل تنسحب تدريجياً من المجال العام. يتراجع الاهتمام، يضعف الحماس، ويحل محل الطموح نوع من الواقعية الباردة. في ميزان القرب، هذه مرحلة الخطر الصامت: حين لا يغضب المجتمع، لكنه لا يشعر أيضاً بأن صوته يغير شيئاً.
اجتماعياً، تتغير أنماط الحياة. تأجيل الزواج، الهجرة بحثاً عن فرصة، الاعتماد على القروض لتغطية الأساسيات، تراجع الادخار، تقليص الإنفاق على التعليم الخاص أو الرعاية الصحية الخاصة. هذه ليست مجرد قرارات فردية؛ إنها إشارات على أن الطبقة الوسطى لم تعد واثقة من الغد. وعندما يفقد الوسط ثقته بالمستقبل، يتغير المزاج العام للدولة بأكملها.

مدرسة ميزان القرب تقترح معياراً مختلفاً لقياس النجاح الاقتصادي. ليس السؤال: هل انخفض العجز؟ بل: هل شعر المواطن المنتج أن الأعباء موزعة بعدالة؟ ليس السؤال: هل زادت الإيرادات الضريبية؟ بل: هل زادت بالمقابل فرص الصعود الاجتماعي؟ ليس السؤال: هل حافظنا على الاستقرار؟ بل: هل عززنا شعور الانتماء المتبادل داخل المعادلة الوطنية؟
إذا استمرت المؤشرات الحالية دون إعادة ضبط عميقة، فقد نشهد خلال السنوات القادمة توسع شريحة "الطبقة القلقة" - فئة تعمل وتنتج، لكنها بلا هامش أمان حقيقي. وهذا أخطر من الفقر المدقع، لأنه يضرب القلب الذي يحمل الاستقرار. أما إذا أُعيد بناء السياسات على قاعدة القرب - دعم الإنتاج لا الاستهلاك فقط، تخفيف العبء عن الفئات المنتجة، تمكين الشباب فعلياً لا خطابياً - فإن الطبقة الوسطى يمكن أن تستعيد دورها كحامل للاستقرار.

الأردن لا يواجه أزمة موارد فقط، بل اختبار توازن. والطبقة الوسطى ليست تفصيلاً اجتماعياً، بل مؤشر صحة الدولة. حين يكون ميزان القرب مستقيماً، تتحمل الطبقة الوسطى الضغوط لأنها ترى أفقاً. وحين يختل، حتى الضغوط الصغيرة تبدو ثقيلة.
في النهاية، ميزان القرب ليس استعارة بل إطار قراءة. ومن خلاله يمكن فهم أن ما يحدث للطبقة الوسطى الأردنية ليس مجرد ضيق اقتصادي عابر، بل تحول في شكل العلاقة بين الدولة وعمودها الفقري. والسؤال الحقيقي اليوم: هل نعيد ضبط الميزان قبل أن يتحول القلق إلى واقع دائم؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيطاليا: غضب شعبي وجدل سياسي بعد وفاة مغربي أثناء توقيفه من


.. مدريد.. احتفاء شعبي بمنتخب إسبانيا بعد تتويجه بطلا للعالم




.. نشرة إخبارية | ترمب بين الهدنة وتوسيع الحرب.. وأميركا تراقب


.. نشرة إخبارية | الأردن يسقط 5 مسيرات إيرانية.. وروسيا تعزز شر




.. بين الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح.. عون يحمل ملفات لبنان ا