الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المغرب: عندما يتحوّل رجال الأمن إلى قتلة داخل مخافر التعذيب
علي لهروشي
كاتب
(Ali Lahrouchi)
2026 / 2 / 25
حقوق الانسان
في مناخٍ تتسع فيه الاختطافات والاعتقالات والاغتيالات، وتنعدم فيه حرية التعبير بالمغرب، لم يعد السؤال: من يُختطف أو يُعتقل أو يُغتال؟ بل من بقي خارج دائرة الاستهداف؟ آلاف المعتقلين على خلفيات اجتماعية ونقابية وسياسية، طلبة وأساتذة ونشطاء ومواطنون عبّروا عن آرائهم الإصلاحية مطالبين بمطالب اجتماعية أو نقابية، في وقت يتكرر فيه توقيف وجوه عدة أكثر من مرة، كما حدث مع الناشط عادل البداحي المعتقل حاليًا بولاية أمن المعاريف في الدار البيضاء للمرة الثالثة، حيث تم اعتقاله يوم 23 فبراير 2026، ولم نعلم عن ظروفه شيئًا إلى حدود الآن، والمناضلة سعيدة العلمي القابعة في السجن، التي ستقضي مدة ثلاث سنوات المحكوم بها جورًا للمرة الثالثة أيضًا، والمحامي محمد زيان، وزير حقوق الإنسان السابق ونقيب المحامين السابق، البالغ من العمر ما يفوق الثمانين عامًا، لا لشيء إلا لأن المدير العام للأمن الوطني عبد اللطيف الحموشي يريد الانتقام منه بعد اتهامه بمساعدة ضابطة الشرطة، المواطنة المغربية وهيبة خرشيش، على مغادرة المغرب دون أن يتم رصدها أو توقيفها من قبل الأجهزة الأمنية، ولاجئة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد عرف المغرب، ولا يزال، شنّ حملات بوليسية مخزنية قمعية بين حين وآخر، نتجت عنها اعتقالات عشوائية انتقامية متتالية، حيث إن عدد معتقلي ما أُطلق عليه حركة "ز" حاليًا يتجاوز أربعة آلاف معتقل، إلى جانب معتقلي منطقة الريف الذين قضى منهم البعض، إلى حدود الآن، تسع سنوات وراء القضبان في انتظار إحدى عشرة سنة أخرى متبقية من الأحكام الانتقامية العنصرية الجائرة التي لحقت بهم، والتي حكمت بعشرين سنة سجنًا في حقهم، إلى جانب الطلبة المعتقلين من مختلف الجامعات، والأساتذة والمعطلين المعتقلين والمعتقلات بسبب مشاركتهم في المظاهرات والمسيرات، إضافة إلى معتقلين ومعتقلات من المعبّرين والمعبّرات عن آرائهم وآرائهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو من المحتجين على الظلم الذي لحقهم عبر هدم منازلهم أو انتزاع أراضيهم من قبل جحافل رجال السلطة وتسليمها إلى الصهاينة أو إلى سماسرة العقار من القابعين بالقصر الملكي أو من الخليجيين أصحاب البترودولار، ناهيك عن المعتقلين الذين ساندوا وفضحوا الفساد وتشريد ضحايا الزلزال.
ويتراوح عدد المعتقلين بالمغرب حوالي خمسة آلاف معتقل، لا لشيء إلا لأنهم طالبوا بمطالب اجتماعية أو نقابية أو سياسية إصلاحية، ناهيك عن اعتقال واختطاف المناضلين الجمهوريين الذين لا أحد يجرؤ على التحدث عنهم لكونهم جمهوريين، حيث يُنظر إليهم على أنهم من كوكب آخر، إذ إن من يتضامن معهم فهو منهم، وبالتالي يتوجب اختطافه ومعاقبته.
فلم يقف الأمر عند الاعتقالات والاختطافات والمحاكمات الصورية والزجّ بالأبرياء خلف القضبان، بل الخطير في الأمر أن هؤلاء يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي وسوء المعاملة، حيث يؤدي هذا التعذيب العنيف الذي يتلقاه المعتقلون إلى إنهاء حياة بعضهم، وتحرير محاضر مزيفة على أن سبب الموت هو الانتحار أو سكتة قلبية أو معاناة القتيل مع مرض مزمن لم ينفع معه علاج، وكل هذه الحالات تم اقتيادها إلى مخافر الشرطة للتحقيق معهم فيما يخص أنشطتهم النقابية أو السياسية أو الاجتماعية وهم في حالة صحية جيدة وفي قواهم العقلية الكاملة قبل اعتقالهم بالطبع.
لكن الأخطر في الأمر هو مقتل الشاب عمر خلال هذا الأسبوع الأخير من شهر فبراير 2026 داخل مقر الشرطة القضائية بالدار البيضاء، وفبركة رواية أنه قفز من الطابق الرابع وانتحر. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن قضية هذا الشاب المغتال لا تتعلق بنضال أو مشاركة في مظاهرة أو بمطالب سياسية أو نقابية أو جمهورية أو إصلاحية، بل كانت عملية انتقام محضة. فقد كان في علاقة غرامية ملتزمة مع زميلة له في كلية الحقوق، غير أن العلاقة لم تكتمل، وقرر الشاب عمر إنهاءها لأسباب يعرفها هو وحده.
بعد تخرجها والتحاقها بسلك الشرطة كضابطة، وقع بينهما صراع بسبب إنهاء تلك العلاقة، وتطور الخلاف إلى اعتداء الضابطة على غريمها وتهديده واقتحام بيت أهله وحجز حاسوبه وبعض أغراضه مستغلة سلطتها ومهنتها، ما دفع الشاب عمر إلى رفع دعوى قضائية ضدها، خاصة وأنه طالب في مادة الحقوق، ما جعله يعرف الكثير عن المساطر القضائية، وهو ما لم تستسغه غريمته، فزاد ذلك من غضبها وأجّج الصراع.
فاستثمرت علاقاتها وسط جهاز الشرطة، فتم اقتياد الشاب من منزله دون توجيه استدعاء مكتوب من قبل حشد من أفراد الشرطة المتجندين في سيارتين سوداوين اللون، وكأنهم عازمون على اعتقال "مادورو"، ونُقل إلى مقر الشرطة القضائية لإهانته أمام صديقته السابقة وهي بزيها الرسمي تستهزئ به. وهناك تم تعنيفه وتعذيبه تعذيبًا وحشيًا أحدث ثقبًا في رأسه أدى إلى وفاته. وبعد ذلك تم التخلص من جثته عبر رميها من نافذة الطابق الرابع للتخلص من الجريمة، وتحرير محضر من قبل النيابة العامة يفيد بأن الأمر مجرد انتحار. فكيف يمكن لشخص أن ينتحر بإلقاء نفسه من نافذة وهو أمام أعين المحققين وبين أيديهم؟ وعندما يكون المعتقل بين أيدي الشرطة فهي المسؤولة عن سلامته.
ثم متى كان التحقيق مع الموقوف أو المعتقل يُجرى في الطابق الرابع؟ من المعروف في مقرات الشرطة بالدول الديكتاتورية مثل المغرب أن الضباط أو العمداء أو أصحاب الرتب العالية هم من يتوفرون على المكاتب المكيفة بالطوابق العليا حتى لا يراقب أحد ممارساتهم وأفعالهم ومكالماتهم الهاتفية، وحتى لا تزعجهم أقدام المتحركين والمتنقلين من مكتب لآخر أو يستمعوا إلى صراخ وبكاء الموقوفين والمعتقلين المستنطقين تحت التعذيب. فالتحقيقات تُجرى بالطابق تحت الأرضي أو السفلي، أو في حالات نادرة بالطابق الأول، كما إن الذين يباشرون التحقيق لا تتجاوز رتبهم مفتش شرطة. وبالتالي فإن صعود الشاب عمر إلى الطابق الرابع يعني أن إذلاله وقتله وتعذيبه كان عملًا انتقاميًا مخططًا له مسبقًا.
الأخطر في الأمر هو استغلال النفوذ والعلاقات المهنية لتنفيذ انتقام شخصي، وهو ما يُعتبر انحرافًا مهنيًا خطيرًا حين يتحول جهاز يُفترض أن يحمي ما يسمى بـ"القانون" إلى أداة لتصفية الحسابات، حتى ولو أدى الأمر إلى قتل إنسان بريء. إنه فعل إجرامي تحميه حصانة غير معلنة.
فحقوق الإنسان والعدالة لا تُجزأ، والمؤسسات لا تُحمى بالتعتيم بل بالمحاسبة، وهيبة الدولة لا تُفرض بالقمع والعصي بل بالممارسات والأفعال. وإذا كان هناك من استغل الزي الرسمي لتصفية حساب شخصي، فإن الجريمة لا تكون فقط في إزهاق روح واغتيال شخص، بل في المزيد من تلويث معنى "الدولة المغربية" نفسها الملوثة أصلًا، وتدنيس هيبتها المفروضة على الأبرياء والمصطنعة حين يحمي المجرم أخاه متسترًا على أفعاله وجرائمه.
أمستردام
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تفاصيل اعتقال خلية داعش المسؤولة عن تفجيرات دمشق الأخيرة
.. تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو
.. الخارجية الإيرانية: الاعتداءات الأمريكية انتهاك صارخ لميثاق
.. أخبار الصباح | -سقوطُ الحصانة-.. اعتقال الفضلي بتهمِ فسادٍ ق
.. الضفة الغربية.. أرقام بشأن الطلبة المعتقلين تزامنا مع امتحان