الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المرأة وميزان القرب: القوة الصامتة التي تُعيد رسم المجتمع
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 2 / 26
قضايا ثقافية
المرأة ليست مجرد نصف المجتمع، ولا مجرد رقم أو لقب يُضاف في الإحصاءات. هي حضور حي، تأثير صامت، قوة تمشي بين الناس بلا صخب، لكنها تصنع فرقًا واضحًا في كل زاوية من حياتنا. حين نتحدث عن المجتمع، عن الاقتصاد، عن الثقافة، عن الفكر، نجدها دائمًا المؤثرة، بلا إعلان، بلا شعارات.
في الأردن، وفي كثير من الدول العربية، يمكن أن نرى أثر المرأة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، في التعليم، في المبادرات الثقافية والاجتماعية. ما يقارب 35% من المشاريع الريادية في الأردن تُدار من قبل نساء، معظمها في مجالات التعليم، الصحة، والتكنولوجيا. هذه المشاريع لا تزيد الإنتاج فقط، بل تعيد تشكيل مفاهيم المجتمع حول العمل، وتخلق فرصًا جديدة للشباب، وتُعيد توزيع القوة الاقتصادية والاجتماعية بطريقة دقيقة وهادئة.
لكن أهم ما يميز المرأة ليس ما تنتجه أو ما تديره، بل قدرتها على التوازن. في قلب كل تحدٍ، تجد المرأة وسيلة لإعادة البناء، لصقل الفكرة، ولإعطاء الفرصة للآخرين لتقريب المسافات. هنا يظهر دور ميزان القرب كمدرسة فكرية: العلاقة بين المرأة والمجتمع ليست مجرد حضور، بل اختبار للتوازن بين الطموح الفردي والحاجة الجماعية، بين الإنجاز الشخصي والفاعلية الاجتماعية. كلما اقتربت المرأة من محيطها بفهم ووعي، كلما استوى ميزان القرب، وصار المجتمع أقوى وأكثر مرونة.
المرأة تكتب التاريخ عبر التعليم أيضًا. في العالم العربي، تجاوزت نسبة التحاق البنات بالجامعات في بعض الدول 50%، وهي نسبة لم تكن متوقعة قبل عقدين. هذه الفتاة التي تدخل الجامعة اليوم، هي نفسها التي ستعيد تعريف التعليم والبحث والفن والفكر في الغد. حضورها الفكري والثقافي ليس صخبًا على الساحة، بل صدى هادئ يُحدث تغيرًا طويل الأمد.
المرأة ليست فقط مؤثرة في الاقتصاد أو التعليم، بل في العلاقات الإنسانية والشبكات الاجتماعية. هي التي تبني الجسور بين الأجيال، وتربط الطبقات المختلفة، وتخفف حدة الصراعات الصغيرة، وتخلق من التواصل اليومي ممارسة للقرب والاحترام والفهم. كل هذه الأفعال الصغيرة، حين تتراكم، تُحدث فرقًا كبيرًا. هذه هي فكرة ميزان القرب: أن التقارب الحقيقي يبدأ من الفهم والاحتواء، لا من القوة الظاهرة أو المنصب.
قد تمر المجتمعات بأزمات اقتصادية، أو تغييرات سياسية، أو ضغوط اجتماعية. حين تضع المرأة نفسها في موقع المشاركة والمسؤولية، نجد أن كل أزمة تتحول إلى فرصة. في الأردن، المشاريع النسائية في القطاع الزراعي، على سبيل المثال، ساهمت في زيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل للشباب الريفي، وأثرت في نمط الحياة والتفكير حول دور المرأة في الاقتصاد المحلي.
القوة الحقيقية للمرأة ليست في المظاهر، بل في القدرة على التأثير الصامت. هي التي تجعل المجتمعات أكثر استعدادًا لمواجهة الأزمات، وأكثر قبولًا للتغيير، وأكثر إدراكًا لقيمة الاختلاف. أرقام مستقبلية تشير إلى أن زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل الأردني بنسبة 10% إضافية قد ترفع الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 4% خلال خمس سنوات. أما على مستوى العالم العربي، كل ارتفاع ملموس في التعليم والمشاركة الاقتصادية للمرأة يترجم إلى تغيير اجتماعي وثقافي وفكري ملموس.
المرأة ليست قضية يُتجادل حولها، وليست شعارًا يُرفع. هي قوة حضارية، ومؤسسة للتغيير الصامت، ومدرسة للوعي الاجتماعي والفكري. حضورها القوي، العميق، الصامت، هو الذي يخلق مجتمعًا متوازنًا، حيث يعمل ميزان القرب كأداة فهم للعلاقات الإنسانية، والمجتمعية، والاقتصادية، والثقافية. حين نعيد ضبط هذا الميزان داخل المجتمع، نكتشف أن المرأة ليست مجرد فرد، بل محور استقرار وتأثير شامل، تخلق من خلاله حياة أكثر عدلًا ووعيًا وحضورًا.
في النهاية، المرأة تعطي المجتمع ما لا تستطيع أي قوة أخرى أن تعطيه: صبرًا على التغيير، حكمةً في اتخاذ القرار، عمقًا في العلاقات، وفهمًا دقيقًا لمعنى التوازن بين الفرد والمجتمع، بين العطاء والحقوق، بين الطموح والاحترام. حضورها هو ما يجعل المجتمع قادرًا على الاستمرار، والتجدد، والنمو، من دون ضجيج، من دون صراع، من دون شعارات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية: غياب أرضية المفاوضات
.. وزير الخارجية الأمريكية: منفتحون على حل دبلوماسي وإيران ترسل
.. هل تضرب أمريكا البنية التحتية لإيران؟
.. المقابلة - محطات يصفها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بأنها كانت
.. استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يرفع مخاطر اتساع