الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تأملات فلسفية سريعة في أزمة عصرنا

محمود يوسف بكير

2026 / 2 / 26
مواضيع وابحاث سياسية


1 أدى التقدم العلمي والتقني المذهل في خلال هذه الألفية إلى تحولات عميقة في سلوكيات البشر وسياسات الدول والقيم والعادات الإنسانية، حتى أن الكثير من المفكرين أصبحوا قلقين من التقدم العلمي المذهل والمستمر ولم يعدوا قادرين على التوفيق بين العلم والمعرفة والقيم الاجتماعية ومصير أجيال المستقبل والحياة على وجه هذا الكوكب. وبالفعل فإننا مقبلين على أزمات حضارية سوف تشمل الجميع والنظم الاقتصادية والسياسية ومصير مبدأ الحرية وحدود العقل والعلم وكيف سنعيد بناء عالمنا، وبمعنى آخر فان حضارتنا الحالية أصبحت في أزمة وجود والبحث عن حلول وإيجاد معنى لوجودنا غير ما نقوم به من تخريب لكل مقومات الحياة على هذا الكوكب الجميل. المشكلة معقدة وما يزيدها تعقيدا هو أن الأغلبية لا تدرك أن هناك أزمة خطيرة؛ وهي كذلك لأنها أزمة وجود؛ وهم معذورون في هذا بعد أن حكم عليهم السوبر أغنياء في الغرب بأن يعيشوا مثل البهائم التي لا هم لها إلا أن ترعى ولا تدرك أو حتى تفكر في إصلاح ما تبقى من عالمها. والقليل ممن يفكرون لا حيلة لهم أمام سطوة الأغنياء والسياسيين الذين يعملون معا ويسعون بهمة وبكل ما هو متاح لهم من نفوذ وإمكانيات لاستكمال سيطرتهم على كل قوى الطبيعة وموارد الارض تحت شعار التنمية الاقتصادية، وفي الحقيقة فان كل الشعارات والقيم والوعود التي نسمعها في هذا الزمان لا نلبث أن نراها وهى تتحطم على موائد المصالح الشخصية.
2 -ومن أهم التطورات العلمية التي يتميز بها هذا العصر هي الذكاء الاصطناعي والذي بدأت عملية دمجه مع الإنسان ألآلي ومن ثم فلن تكون هناك حاجة للعمال والمهندسين وحتى المدرسين والمحاضرين في الجامعات الخ، وهذا يناسب تماما كبار الرأسماليين لان هذه الروبوتيك لن تتقاضى مرتبات ولا حوافر ولا تأمينات ولا معاشات ولا إضرابات. وقبل أيام رأيت على وسائل التواصل الاجتماعي عالمًا ينصح الطلاب بعدم الالتحاق بكليات الطب، لأن الذكاء الاصطناعي سيصبح قريبًا طبيب المستقبل، وسيكون قادرًا على إجراء جميع أنواع التشخيصات والعمليات الجراحية بدقة تفوق دقة الأطباء البشريين.، وباعتباري مصرفيًا واقتصاديا فإنه سيكون بمقدور الذكاء الاصطناع القيام بمعظم العمليات المصرفية، بما في ذلك فحوصات الجدارة الائتمانية التي نجريها عندما يتقدم أي عميل بطلب قرض من البنك حيث يمكن لبعض التطبيقات الان القيام بهذه المهمة الكبيرة ويمكنها تقديم تقريرها في غضون دقائق بدلًا من أسبوع على الأقل كما نفعل الآن. المفارقة هنا هي أنه إذا رفض الذكاء الاصطناعي طلب العميل، فإننا لن نتمكن من معرفة السبب! وعلينا فقط أن نقوم بمهمة إبلاغ العميل بأن طلبه قد رفض! وعموما فإنه لا يمكن لأحد أن يتنبأ بدقة بما سيحدث في العشر سنوات القادمة في أسواق العمل بكل أنواعها. والقضية التي أطرحها هنا هي أن التقدم العلمي والتكنولوجي يمتلك القدرة على تحسين ظروف الحياة، ولكن ولكي يتحقق هذا لابد من السيطرة علي العلم والتكنولوجيا وتوجيههما لخدمة الإنسانية ككل بدلا من الهيمنة عليها خاصة طبقة العمال من ذوي المهارات المحدودة، والأهم من هذا إصدار التشريعات والتقنيات الي تحد من أخطار الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمه البعض الآن لتشويه الآخرين؛ وكمثال على هذا ما يحدث الآن من إظهار بعض المشاهير في أوضاع مخلة وفاضحة أو الادعاء عليهم بما لم يتفوهوا به لتدمير علاقاتهم بالآخرين ،هذا ناهيك عما يحدث عندنا في الجامعات من لجوء الطلبة للاعتماد الكلي على برامج الذكاء الاصطناعي في إعداد الأبحاث والدراسات المطلوبة منهم حتى أن أغلبهم توقف عن قرأة أي مراجع علمية كما كنا نفعل حيث تقوم هذه التطبيقات بتلخيص كل المراجع لهم وهذا يعني القضاء على أم الهويات وأكثرها فائدة لطلاب العلم وهي القراءة.
3 -بعض الكتاب يرون أن الاهتمام بإحياء ونشر المنهج الفلسفي في التفكير يمكن أن يساعد البشرية على انقاذ نفسها وقيمها وذلك من خلال ما يقوم به الفكر الفلسفي من تحليل علمي ومنطقي للمعتقدات، وتنظيم المعرفة وربط العلم بالمسؤولية الأخلاقية، حيث إن الفلسفة نشاط فكري حر يسعى إلى فهم شامل للعالم والإنسانية عبر التاريخ، ولذلك فالفلسفة قادرة على بناء رؤية شاملة للمستقبل وربط المعرفة بالفعل كما تعلمنا في دراساتنا العليا في كل فروع العلم. وتُمكّننا هذه الأبعاد الفلسفية من إلقاء الضوء على المشكلات السياسية والعلمية والأخلاقية التي تميز عصرنا وتُزوّد البشرية بأدوات التفكير النقدي وهو مجالٌ تعمل فيه الفلسفة كقوة تفسيرية وتوجيهية وهو ما يمكننا من إعادة صياغة أهدافنا الحضارية وإعادة بناء الإنسانية وإنقاذها من التفكير المادي وقصير النظر الغالب الان.
4 ومن الأزمات الأخرى والخطيرة، أن العالم أجمع أصبح يشكو من الفساد وسوء الإدارة، والطمع الذي تجاوز كل حدود الحياء والحذر وعلى سبيل المثال فإن الأرباح الهائلة التي تجنيها الشركات الكبرى تذهب إلى الأغنياء؛ ولا يحصل الفقراء منها إلا على الفتات. ولهذا السبب لازالت فجوة الدخل والثروة تتسع بين الأغنياء والفقراء. والسؤال هنا؛ هل يمكن لهذا النظام الاقتصادي البائس أن يستمر بلا نهاية؟ أعتقد أن هذا مستحيل؛ ذلك لأننا نعلم أن أي شيء يتعرض لضغط شديد ومستمر سوف ينفجر حتما. .وفي هذا الصدد، فإننا سوف نستمر في اتهام الفساد وسوء الإدارة بأنهما مسؤولان عن جميع مشاكلنا، لكن الواقع يشهد بأن أزمة عصرنا أكثر تعقيدًا من ذلك. إذ إنها تتعلق أكثر بقيمنا الإنسانية التي تتأكل بسرعة، وغياب وعينا، وزيادة طمعنا، ومؤخرًا التقدم العلمي الذي يقودنا إلى أرض مجهولة كما أوضحنا أعلاه.
5 بخصوص أزمتنا مع الأديان، فقد لخصها د. طه حسين في عدة كلمات ربما هي التي جعلته يلقب بعميد ألأدب العربي وهي: أن الدين الإسلامي يجب أن يعلم "بضم الياء" فقط كجزء من التاريخ القومي لا كدين إلهي نزل ليبين الشرائع للبشر. لأن القوانين الدينية لم تعد تصلح في الحضارة الحديثة كأساس للأخلاق والأحكام ولذلك لا يجوز أن يبقى الإسلام في صميم الحياة السياسية إلا إن اتخذ منطلقا أخر لتجديد الأمة. ورد هذا في كتابه مستقبل الثقافة في مصر.
٦أما أكبر مأساة يشهدها عصرنا فتتمثل فيما يسمى بقائد العالم الحر الرئيس ترامبو كما أحب أن أسميه، ولا إحد يدري كيف قبل العالم الحر وعلى رأسه أمريكا بأن يغير رجل واحد معروف بأنه كذاب ومزور ومتهرب منّ الضرائب وسفيه ونسوانجي بإن يقلب العالم رأسا على عقب ويغير النظام الدولي الذي ظل قائما منذ الحرب العالمية الثانية إلى نظام آخر مربك سياسيا واقتصاديا. ترامبو بدأ عهده بإلغاء اتفاقيات الحد من التغير المناخي وقرر العودة للبترول والفحم بكثافة داخل أمريكا ودعا كل الدول إلى اتباع نهجه الذي يتسم باللامسؤلية، وفشل في وقف القتال الوحشي في أوكرانيا والذي تعهد بفض النزاع فيها في خلال ٢٤ ساعة، ثم قام بوقف دعم منظمة الصحة العالمية واوقف برامج المساعدات الإنسانية لكل الدول الفقيرة، ثم سعى للاستيلاء على قناة بأناما، ثم حاول ضم كندا إلى أمريكا ثم قام بعملية اختطاف رئيس فينزويلا وهو الآن يسعى للاستيلاء على جرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وهو يخطط الآن لتدمير إيران وإغلاق الأمم المتحدة من خلال تكوينه لمجلس السلام العالمي والذي عين نفسه رئيساً له، وليته قام أيضا بإغلاق جامعة الدول العربية وتحويلها لملهى السلام العربي. وسوف أكتفي بهذا القدر مما فعله ترامبو في عام واحد بينما اكتفت كل دول العالم بالمشاهدة، وهذا دليل على أن الإنسان ليس في الأصل قردا كما قال دارون وإنما حمارا.
وما أنا بالمصدق فيك قولا ....ولكني شقيت بحسن ظني
د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - ألذكاء والمعرفة تنتقل من الانسان الى الالة
د. لبيب سلطان ( 2026 / 2 / 27 - 12:38 )
تحياتي للدكتور محمدود ومشاركته هموم هذا الزمن الذي فعلا هو مثقل بهموم جديدة وكبيرة للانسان ربما اقلها ظاهرة ترامب رغم اهميتها كونها تعرب عن تساقط حضارة القيم ان يصعد صعلوكا فاسدا لاكثر بلد متمدن مما يدل على ضحالة المعرفة والمستوى المعرفي و الثقافي العام والا ماصعد ..هناك فجوة كبيرة تفصل بين تقدم الحضارة وتأخر الوعي المعرفي الشخصي والعام وكأنما تقدم الاولى يؤدي لاضعاف الثانية بدلا من تقدمها كما متوقع، ولنقارن القرنين 19 وال21 ، فهناك قفزة حضارية صناعية تكنولوجية معرفية كبيرة قد حدثت بشكل يفوق الخيال وما نراه اليوم كان يعتبر من نسيج الخيال ال في القرن، 19 والفرق كبير حيث كانت قصيدة شاعر تهز صالونات واليوم تقريبا اختفى الشعر ونظريات اصل الانسان من قرد واللوحات السريالية تحشد الخيال والمدارس الفكرية والايديولوجية تتبارى برسم صورة جديدة للانسان في العالم وها هو اليوم اصبح اقل. ذكاء ومقدرة ومعرفة من الالة التي صنعها ..وهنا التحدي الوجودي له لو اعتبرنا ان وجودنا عدا ماهو طبيعي للحفاظ على الحياة هو فرصة لاثبات الذات والمقدرة والابداع ولكن الالة الذكية اصبحت تتفوق علينا ومنه التهديد
شكر


2 - د. لبيب سلطان
محمود يوسف بكير ( 2026 / 2 / 27 - 15:35 )
شكرا د. لبيب على إضافتك للمقال، ،معضلتنا الكبيرة الآن هي اضمحلال الوعي العام بسبب السوشيال ميديا التي عزلت الناس عن بعضهما البعض كما عزلتهم عن الاطلاع والثقافة والاهتمام بالشأن العام وكانت محصلة هذا في عالمنا العربي هي تدهور مستوى الخدمات العامة التي تقدم للمواطن البائس لأن المسؤول الكبير جاهل ولذلك فان من يعينهم كمساعدين له لابد أن يكونوا أجهل منه حتى يحافظ على منصبه، مع أطيب تحياتي


3 - القادم صعب
على سالم ( 2026 / 2 / 28 - 03:05 )
اهلا دكتور بكير ومقال هام وعلى المحك , انا اتفق معك تماما ان مستقبل العالم على كف عفريت وذلك لفقد البوصله التى ترشدنا الى الاتجاه الصحيح ؟ كما ذكرت انت فأن اكبر واقوى دوله فى العالم يتحكم فيها رئيس بلطجى ومتسلط ولص وفاسد ومتهم فى قضايا كثيره جنائيه وسرقه وكذب واغتصاب فتيات قصر ؟ المفروض ان يكون هذا الشخص المجرم ان يكون فى السجن لكى يقضى عقوبه طويله بسبب جرائمه العديده ولكن بسبب فساد الحزب الجمهورى وتأييده المطلق لترامب استطاعوا ان يعرقلوا مجرى العداله التى كان يستحقها ؟ المحزن ايضا ان نسبه كبيره من الامريكان الاغبياء السذج والنسبه قد تصل الى نصف الامريكان يؤيدوا هذا الافاق العربيد الخسيس ؟ سياساته الغبيه ايضا اثرت على كل دول العالم بسبب تعريفات عشوائيه طالت كل دولهم واصبحت الان دولا كثيره فى اوروبا تعقد العزم وتتجه شرقا الى الصين من اجل شراكه اقتصاديه بعد ان عرفوا ان هذا المجذوب المنكوب فقد عقله ولايمكن ابدا الوثوق به وهذا اكيد لايبشر بمستقبل جيد لااميركا


4 - الأستاذ علي سالم
محمود يوسف بكير ( 2026 / 2 / 28 - 13:54 )
شكرا جزيلا أستاذ على على مساهماتك القيمة، أكثر ما أعجبني في تعليقك هو ما ألمحت إليه من أن ترامب بدلا من أن يحاكم على جرائمه التي لا تحصى تم انتخابه رئيسا لأغنى وأقوى دولة في العالم وهو ما أفقد مصداقية أمريكا وضيع ثقة العالم فيها بما فيه حلفائها وأصدقائها القدامى ما عدا إسرائيل التي بدأت اليوم في مساعدة أمريكا في قصف إيران ، وبالطبع فإن العالم كله @ سوف يكتفي بالمشاهدة والإدانات الخجولة، مع أطيب تحياتي

اخر الافلام

.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟


.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب




.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي


.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا




.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟