الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المزايدة على المعاناة

إكرام فكري

2026 / 2 / 27
المجتمع المدني


حين يمر الإنسان بالفقر أو الإهمال أو القسوة، فإنه لا يخرج من التجربة كما دخلها. الألم لا يكون مجرد حدث، بل يصبح جزءًا من الهوية. وهنا تبدأ المعضلة النفسية الحقيقية: هل أواجه التجربة باعتبارها ظلمًا تعرضت له، أم أعيد تفسيرها كفضيلة صنعتني؟ الاعتراف بأنها كانت ظلمًا يعني مواجهة خسارة معنوية: سنوات من الصمت، تنازلات، انكسارات، وربما خضوع لم يكن ضروريًا. هذا الاعتراف يهز صورة الذات، ويضع الشخص أمام سؤال ثقيل: لماذا قبلتُ؟ لماذا سكتُّ؟ لماذا لم أحمِ نفسي؟

ولأن هذا السؤال موجع، يلجأ البعض إلى طريق أقل ألمًا: تحويل المعاناة إلى بطولة. يصبح الصمت نبلًا، والتحمل شرفًا، والطاعة حكمة، والتنازل تضحية سامية. بهذه الطريقة يُعاد بناء القصة بحيث لا يكون الشخص ضحية، بل بطلًا أخلاقيًا. لكن هذه السردية تحتاج إلى حماية مستمرة، لأنها هشة من الداخل. وأي صوت مختلف يهددها.

من هنا تنشأ المزايدة بالمعاناة. لم تعد المعاناة مجرد تجربة شخصية، بل أصبحت رأسمالًا رمزيًا يمنح صاحبه سلطة أخلاقية. الشخص لا يروي قصته ليُفهم، بل ليرتفع بها فوق غيره. يقول ضمنًا: نحن لم نشتكِ، نحن لم نتمرّد، نحن بقينا أوفياء مهما حدث. وكأن الأخلاق تُقاس بقدرتك على احتمال الأذى، لا بقدرتك على منعه. وكأن النضج يعني أن تتألم بصمت، لا أن تضع حدودًا.

في هذا السياق ينقلب الميزان: يصبح الخضوع فضيلة، والدفاع عن النفس وقاحة، والاستقلال العاطفي اتهامًا. ويُختزل مفهوم الأخلاق في الطاعة، بينما تُهمَّش قيمة العدالة. من يختار طريقًا مختلفًا لا يُنظر إليه كشخص اتخذ قرارًا واعيًا، بل كتهديد للنظام الرمزي الذي بُني على الصمت.

الدفاع المستميت عن نماذج مؤذية ليس دائمًا قوة، بل قد يكون آلية دفاع عميقة. لأن الاعتراف بالظلم يعني إعادة تقييم الماضي كله، وربما الاعتراف بأن الألم لم يكن ضرورة أخلاقية بل نتيجة اختلال في موازين القوة. لذلك يُعاد تأطير القهر كاختبار إلهي، أو كتربية قاسية صنعت الشخصية، أو كمرحلة لا يجوز نقدها. هذا التماهي مع المصدر المؤلم لا يكون دائمًا حبًا فيه، بل حماية للذات من الانهيار.

وعندما يظهر شخص يرفض هذه السردية، يشعر من صمت طويلًا بأن توازنه مهدد. ليس لأن الصوت الجديد خاطئ بالضرورة، بل لأنه يفتح جرحًا قديمًا تم إغلاقه بالتبرير. لذلك تأتي ردود الفعل حادة أحيانًا: اتهامات، تشكيك في النوايا، تشويه للموقف، أو إحالة مباشرة إلى معايير أخلاقية مطلقة. الهدف ليس إقناع الآخر، بل تثبيت الرواية الداخلية.

في هذا المناخ يُستدعى الخطاب الديني كثيرًا بوصفه سلطة رمزية. تُرفع شعارات عن البر والطاعة والفضل، بينما يُغفل الحديث عن الكرامة والعدل والأذى النفسي. المشكلة لا تكمن في القيم الدينية نفسها، بل في استخدامها لإغلاق النقاش. عندما يتحول الدين إلى أداة لإبقاء التوازن الاجتماعي كما هو، حتى لو كان قائمًا على ألم غير معترف به، فإنه يفقد بعده الروحي ويتحول إلى وسيلة ضبط.

كذلك، الهروب إلى مقارنة مجتمعات أخرى أو السخرية من قوانين تحمي الأطفال قد يكون محاولة لتجنب مواجهة الداخل. نقد الخارج أسهل من مراجعة الذات. من الأسهل القول إن الآخرين مبالغون أو متطرفون، من الاعتراف بأن خلف الأبواب المغلقة قصصًا تحتاج إلى مساءلة. وهكذا يُقدَّس الشكل، حتى لو كان الجوهر هشًا، وتُحارب أي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمحيط على أساس الاختيار والاحترام المتبادل.

مع ذلك، من الضروري الحفاظ على توازن فكري. ليس كل من صبر منافقًا، وليس كل من اختار البقاء في علاقة مؤذية فاقدًا للوعي. بعض الناس وجدوا في الصبر معنى حقيقيًا، وبعضهم سامح عن اقتناع عميق، وبعضهم لم تكن أمامه خيارات واقعية. الفرق الجوهري ليس بين من صمت ومن تكلم، بل بين من يحوّل تجربته إلى قانون أخلاقي ملزم للآخرين، ومن يتركها خيارًا شخصيًا.

التحرر الحقيقي لا يكون في إعلان حرب على المجتمع، ولا في قلب المعادلة بحيث يصبح كل صبر تواطؤًا. التحرر هو أن تعترفي بقصتك دون أن تبتلعي قصص الآخرين، وأن تختاري طريقك دون أن تحتاجي إلى هدم طرقهم. القوة ليست في كسر الصورة فقط، بل في أن تبني لنفسك حياة لا تُدار برد الفعل على الماضي، بل بوعي حاضر يختار ما يريده بوضوح و مسؤولية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحذير من تزايد اعتماد الأطفال على الذكاء الاصطناعي.. اليونيس


.. اليونيسف تحذر من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال في ال




.. العراق يغيّر قواعد مكافحة الفساد.. ماذا بعد القرار القضائي ا


.. الضفة تحت نار المستوطنين والاحتلال.. هجمات واعتقالات متواصلة




.. احتجاجات جنوب إفريقيا.. مطالب بترحيل المهاجرين واعتقالات واس