الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سوريا بين أعباء الماضي وضرورة تصحيح المسار
أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية
(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)
2026 / 3 / 1
حقوق الانسان
لا تُدار الدول بالشعارات، بل بحسن التقدير وترتيب الأولويات. في لحظةٍ تاريخيةٍ دقيقةٍ تمرّ بها سوريا، يصبح السؤال عن كفاءة الإدارة ومسؤولية القرار سؤالًا وطنيًا بامتياز. فالمواطن الذي أنهكته الحرب والعقوبات وتدهور الخدمات، لم يعد يحتمل تجارب ارتجالية أو مشاريع استعراضية لا تمسّ جوهر معاناته اليومية. القضية ليست في النقد بحدّ ذاته، بل في البحث عن مسارٍ عقلانيٍّ يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لإدارةٍ تعتمد الخبرة لا الولاء، والكفاءة لا المحسوبيّة.
أولًا: اختلال الأولويات – مشاريع لا تمسّ الألم الحقيقي
حين تعاني البلاد من أزماتٍ في الكهرباء والغاز وارتفاع الأسعار، فإن توجيه الموارد نحو مشاريع ثانوية أو غير ملحّة يثير تساؤلاتٍ مشروعة. ليست المشكلة في مبدأ التنمية أو الإعمار، بل في توقيتها وترتيبها. فالإدارة الرشيدة تعني معالجة الأساسيات أولًا: استقرار التيار الكهربائي، تأمين الطاقة، ضبط الأسواق، وتحسين مستوى الدخل. أي مشروع لا ينعكس مباشرةً على حياة الناس اليومية يبدو منفصلًا عن الواقع، مهما حمل من عناوين براقة.
ثانيًا: الغلاء وتآكل القدرة الشرائية
الغلاء لم يعد مجرّد ظاهرة اقتصادية، بل تحوّل إلى أزمة اجتماعية تمسّ كرامة الإنسان. ارتفاع الأسعار مقابل ثبات أو تدني الرواتب يُحدث فجوةً خطيرة بين الدخل والاحتياجات الأساسية. في ظل هذا الخلل، يشعر المواطن أنه يتحمل عبئًا مضاعفًا: عبء الظروف العامة، وعبء سوء الإدارة. الاقتصاد لا يُدار بالوعود، بل بسياسات نقدية ومالية واضحة، شفافة، وقابلة للمساءلة.
ثالثًا: أزمة الكهرباء والغاز – معيار كفاءة الإدارة
الخدمات الأساسية هي الاختبار الحقيقي لأي حكومة. الكهرباء ليست رفاهية، بل عصب الحياة الحديثة. والغاز ليس ترفًا، بل ضرورة يومية. حين تتكرر الأزمات دون خطط معلنة وواضحة للحل، تتآكل الثقة. الشفافية في عرض الأسباب والحلول والجدول الزمني للإصلاح جزء من احترام المواطنين، لا منّة عليهم.
رابعًا: الفساد المؤسسي – العائق الأكبر أمام التعافي
الفساد لا يقتصر على الرشوة المباشرة، بل يشمل غياب معايير التعيين، تضارب المصالح، واستغلال النفوذ. وهو بطبيعته يبدد الموارد ويقوّض العدالة. لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي دون إصلاح إداري وقضائي يضمن المساءلة. فالمحاسبة ليست تصفية حسابات، بل شرطٌ لبناء دولة قانون تحترم حقوق مواطنيها.
خامسًا: التمييز الوظيفي وإهدار الكفاءات
من أخطر مظاهر الخلل أن تُهمَّش الكفاءات بينما تُمنح المناصب لمن يفتقرون إلى الخبرة أو التأهيل العلمي. هذا ليس ظلمًا فرديًا فحسب، بل خسارة وطنية. الدول تنهض بعلمائها وخبرائها وإدارييها المؤهلين. حين يُقصى أصحاب الشهادات والخبرة عن مواقع القرار، تتكرر الأخطاء ويتراكم الفشل. العدالة الوظيفية ليست شعارًا، بل آلية بقاء للدولة نفسها.
نحو تشكيل حكومة كفاءات
بدل الاستمرار في إدارة الأزمات بالأساليب ذاتها، يصبح الإعلان عن تشكيل حكومة كفاءات خطوةً منطقيةً وضرورية. حكومة تُختار على أساس الخبرة العملية والسجل المهني، لا على أساس الولاءات الضيقة. حكومة تضع برنامجًا واضحًا بزمن محدد، وتخضع للمساءلة الدورية أمام الرأي العام. هذا ليس ترفًا سياسيًا، بل استحقاقًا وطنيًا.
السؤال الجوهري
لماذا يُطلب من السوريين تحمّل أعباء وتراكمات نتجت عن قراراتٍ اتخذها مسؤولون لم يمتلكوا الخبرة الكافية لإدارة شؤون البلاد؟ العدالة تقتضي أن تتحمل الإدارة مسؤولية نتائج قراراتها، وأن يُفتح الباب أمام تصحيح حقيقي للمسار. فالمواطن ليس مختبرًا لتجارب سياسية، بل صاحب حقٍ في إدارة كفوءة تضمن له العيش الآمن.
سوريا ليست ساحةً لتبادل الاتهامات، بل وطنٌ يستحق إدارةً واعيةً ومسؤولة. الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، ويكتمل بوضع الكفاءة في موقع القرار. لا يمكن بناء مستقبلٍ مستقرٍّ دون مساءلةٍ عادلةٍ، ولا يمكن تحقيق عدالةٍ دون احترام عقل المواطن وحقه في الشفافية والمشاركة. الطريق إلى التعافي ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب شجاعة الاعتراف، وصدق الإرادة، وإعلاء مبدأ الكفاءة فوق كل اعتبار.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق
.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات
.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف
.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود
.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول