الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
إيران بعد استهداف القمة: هل بدأ سقوط العقيدة أم إعادة إنتاجها بالنار؟ قراءة في ميزان القرب
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 3 / 1
مواضيع وابحاث سياسية
لم تكن الضربة الأمريكية-الإسرائيلية على إيران مجرد حدث عسكري عابر في نشرة أخبار، بل كانت لحظة فاصلة كسرت إيقاع التوازن الهش في الشرق الأوسط. حين أعلنت مصادر إسرائيلية أن علي خامنئي استُهدف وربما قُتل، لم يكن السؤال من أصاب ومن نجا، بل ماذا يعني أن يُضرب رأس الهرم في نظام بُني على مركزية الولي والقرار الواحد. دخول الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في عملية عسكرية مباشرة ضد طهران، يعني أن قواعد الاشتباك القديمة سقطت، وأن المنطقة أمام معادلة جديدة عنوانها كسر الردع لا إدارته.
من منظور ميزان القرب، لا يُقاس الحدث بعدد الصواريخ ولا بحجم الدمار، بل بدرجة اقتراب الخطر من الناس العاديين. الضربة لم تقترب فقط من مؤسسات الدولة الإيرانية، بل اقتربت من الشارع الإيراني ذاته، من الخوف، من الاقتصاد المنهك، من الأسئلة التي كانت تُهمس وأصبحت اليوم تُقال بصوت أعلى. حين تُستهدف القيادة العليا، يهتز اليقين، وحين يهتز اليقين تبدأ المجتمعات بإعادة تعريف علاقتها بالسلطة. هذا هو مركز الثقل الحقيقي، لا البيانات العسكرية.
إذا ثبت مقتل خامنئي وقادة عسكريين كبار، فإن إيران تدخل أخطر مرحلة منذ عام 1979. النظام هناك ليس مجرد حكومة بل منظومة عقائدية وأمنية متشابكة، يتقاطع فيها رجال الدين مع الحرس الثوري مع شبكات النفوذ الإقليمي. غياب رأس الهرم قد يفتح باب صراع صامت داخل المؤسسة نفسها، بين من يرى التشدد خلاصاً ومن يرى الانفتاح ضرورة بقاء. وقد نشهد إعادة تموضع سريعة يقودها الحرس الثوري لتثبيت السيطرة ومنع أي فراغ، لأن الفراغ في أنظمة العقيدة أخطر من الهزيمة العسكرية.
الحرب لا تبقى داخل الحدود. أي تصعيد واسع سيضع مضيق هرمز تحت تهديد مباشر، وأسواق النفط لا تحتاج إلى صاروخ كي ترتجف، يكفيها تصريح غامض. المنطقة الممتدة من العراق إلى لبنان ستعيش على أعصابها، لأن النفوذ الإيراني هناك ليس رمزياً بل بنيوياً. وكل ضربة في طهران ترتد ظلاً في عواصم عربية تعرف أن ميزان القوى الإقليمي يعاد تشكيله الآن بالقوة لا بالمفاوضات.
أما دولياً، فإن موقف روسيا والصين لن يكون تفصيلاً. كلتاهما تنظر إلى إيران كجزء من شبكة توازن في وجه الهيمنة الغربية. أي انهيار كامل للنظام الإيراني يعني تمدداً أكبر للنفوذ الأمريكي، وهذا ما لن يُترك بلا حساب. لذلك قد نشهد تصعيداً غير مباشر في ساحات أخرى، من أوكرانيا إلى بحر الصين، لأن الصراعات الكبرى لا تُعالج بمعزل عن بعضها.
هل يمكن أن تولد إيران بنظام جديد بعد هذه الضربات؟ الاحتمال قائم لكنه ليس سهلاً. الأنظمة العقائدية لا تسقط بضربة واحدة، بل تتآكل من الداخل حين يتسع الفارق بين الدولة والمجتمع. إذا تحولت الضربة إلى لحظة وعي داخلي تدفع نحو إصلاح سياسي حقيقي، فقد نرى انتقالاً تدريجياً نحو نموذج أقل صداماً مع العالم. أما إذا استُثمرت الضربة لتعزيز خطاب المظلومية والحصار، فسنكون أمام نسخة أكثر تشدداً وأشد انغلاقاً، نظام يعيش على فكرة البقاء لا على فكرة التغيير.
ميزان القرب هنا يقول إن أخطر ما في المشهد ليس الصاروخ بل المسافة بين القرار ونتيجته. كلما ابتعد صانع القرار عن أثر قراره على الإنسان البسيط، اختل الميزان. في واشنطن وتل أبيب تُحسب المكاسب الاستراتيجية، وفي طهران يُحسب البقاء، لكن في الشارع العربي تُحسب فاتورة الاستقرار، وفي السوق العالمي تُحسب فاتورة الطاقة، وفي بيوت الإيرانيين تُحسب فاتورة الخوف. هذا هو الامتحان الحقيقي لأي حرب.
المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن تكون هذه الضربة بداية لإعادة صياغة توازن جديد أقل توتراً، وإما أن تكون شرارة دورة صراع أطول وأقسى. إيران قد تتغير، وقد تتصلب، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط بعد هذه اللحظة لن يشبه ما قبلها. ميزان القرب يعلّمنا أن نراقب لا الضجيج بل الاتجاه، لا التصريحات بل التحولات العميقة. والاتجاه الآن يقول إننا دخلنا مرحلة إعادة تشكيل، مرحلة لا مكان فيها للحياد الكامل ولا للقراءة السطحية. إنها لحظة تُكتب فيها خرائط جديدة، لا على الورق فقط، بل في وعي الشعوب أيضاً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة عمليات الإنقاذ
.. روما تستضيف الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي
.. بين القصف الأمريكي والرد الإيراني.. الخليج أمام مرحلة خطرة
.. الانتقام الكبير.. مأزق ورعب وضرب في روسيا. فهل اقتربت النهاي
.. زيارة حاسمة إلى واشنطن.. ماذا طلب ترامب من الزيدي؟ | #ستوديو