الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشرق الأوسط على شفير الهاوية

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2026 / 3 / 2
الارهاب, الحرب والسلام


في عام 1914، اغتيل أرشيدوق واحد في سراييفو، فانزلق العالم كله إلى حرب لم يُرِدها أحد. لم يكن أحد يتوقع في ذلك الصباح أن طلقة واحدة ستُودي بحياة سبعة عشر مليون إنسان. اليوم، ونحن في مارس 2026، لا نتحدث عن طلقة واحدة، بل عن آلاف الصواريخ، وعواصم تحترق، وقادة عسكريون يُقتلون، وبحار تتحول إلى ساحات حرب. والسؤال الذي يُقضّ مضاجع المحللين والساسة وعامة الناس هو نفسه: هل نحن في بداية نهاية ما عرفناه من نظام عالمي؟

ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس أزمة عادية، ولا جولة اشتباك أخرى في سلسلة لا تنتهي من الجولات. إنه تحوّل جيوسياسي جذري بكل معنى الكلمة. الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعودا تديران الصراع من بعيد عبر وكلاء وعقوبات ودبلوماسية خشنة، بل انتقلتا إلى ضربات مباشرة على الأراضي الإيرانية أسفرت عن تصفية رأس المنظومة العسكرية الإيرانية بأكملها، من وزير الدفاع ورئيس الأركان، وصولاً، بحسب التقارير، إلى المرشد الأعلى خامنئي نفسه. هذا ليس رسالة تحذير، هذا هو الرسالة.

إيران، التي أمضت عقوداً تبني امبراطورية من الوكلاء والمليشيات والنفوذ الممتد من طهران إلى بيروت مروراً بصنعاء وبغداد، وجدت نفسها فجأة أمام خيارين كلاهما مرٌّ: إما الصمت والانهيار الداخلي، وإما الرد وفتح أبواب جهنم على الجميع. اختارت الرد، فأمطرت الإمارات والبحرين وقطر والكويت والأردن بصواريخها وطائراتها المسيّرة في يوم واحد. وحين تتلقى خمس دول في يوم واحد صواريخ من دولة واحدة، فنحن لسنا أمام "تصعيد" بالمعنى الدبلوماسي المعتاد، نحن أمام حرب إقليمية حقيقية تجري بيننا.

لكن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة حقاً ليس حجم الاشتعال وحده، بل طبيعة الأطراف المنخرطة وتشابك مصالحها. المملكة المتحدة أجازت استخدام قواعدها العسكرية لدعم الضربات الأمريكية. الحوثيون أعلنوا استئناف هجماتهم على السفن في البحر الأحمر. حزب الله يضرب حيفا. مجلس الأمن الدولي ينعقد في جلسات طارئة متتالية دون أن يُنتج شيئاً. وأسعار النفط ترتفع عشرة بالمئة في ساعات، كأن الأسواق تخبرنا بما يعجز السياسيون عن قوله: العالم يتغير الآن، وليس غداً.

السؤال الذي يطرحه الجميع — هل هذه حرب عالمية ثالثة؟ — هو في الحقيقة سؤال خاطئ. الحرب العالمية لا تبدأ بإعلان رسمي ولا بصفارة يُطلقها أحد. تبدأ بتراكم القرارات الصغيرة التي يبدو كل منها معقولاً في لحظته، حتى تتحول السلسلة كلها إلى كارثة لا يريدها أحد. ما نعيشه الآن ليس الحرب العالمية الثالثة، لكنه قد يكون فصلها الأول.

ما يكبح الانزلاق الكامل حتى الآن هو ثلاثة عوامل. أولها أن روسيا، المنشغلة في أوكرانيا والمُثقلة بالعقوبات، لا تملك ترف فتح جبهة ثانية. وثانيها أن الصين تُفضّل الاستثمار على الاشتعال، وعلاقتها مع إيران مصلحية لا عاطفية، وهي آخر من يريد رؤية النفط يقفز إلى مئة دولار. وثالثها، وهو الأهم، أن الردع النووي لا يزال يُلقي بظله على العقول، ولا أحد يريد أن يكون الطرف الذي يُفتح عليه باب لا يُغلق.

لكن هذه العوامل الكابحة ليست ضمانات، إنها مجرد هشيم لم يشتعل بعد. الخطر الحقيقي لا يكمن في نية أحد شنّ حرب عالمية، بل يكمن في أن كل طرف يعتقد أنه يتصرف بعقلانية وضمن حدود السيطرة. وهذا تحديداً ما يجعل الموقف بالغ الخطورة، لأن الكوارث الكبرى في التاريخ لم تنشأ عن جنون القادة، بل نشأت عن ثقتهم المفرطة بأنهم يُحكمون السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.

أمام هذا المشهد، يبقى الشرق الأوسط ساحة لعبة مفتوحة تتقاطع فيها أسوأ الديناميكيات الممكنة: قوة إقليمية تحتضر تائهة بين الانتقام والانهيار، وقوى غربية تُراهن على أن الضربة الساحقة ستُنهي المشكلة لا أن تُعقّدها، ودول خليجية تتلقى الصواريخ على أراضيها وتُحاول ألا تنزلق إلى حرب لم تخترها، وأمم متحدة تجتمع وتُدين وتُصدر البيانات في مشهد يُذكّر بما وصفه أحد المؤرخين بـ"عجز القانون الدولي أمام إرادة المدفع".

التاريخ يعلّمنا أن الأزمات الكبرى تنتهي بإحدى نتيجتين: إما بحكمة بعض القادة في لحظة حاسمة يختارون فيها التراجع على حساب الكبرياء، وإما بكارثة تُعيد رسم الخريطة السياسية للعالم. نحن الآن في تلك اللحظة الفارقة بين الحكمة والكارثة، وما يُقرَّر في الأسابيع القادمة في طهران وواشنطن وتل أبيب وغيرها سيُحدد أي الطريقين يسلك العالم.

الرهان الآن على أن يكون في كل عاصمة من هذه العواصم رجل أو امرأة واحدة تملك الشجاعة الكافية لتقول: توقفوا. لأن البديل، كما يُخبرنا التاريخ بلا رحمة، ليس انتصار طرف على آخر، بل خسارة الجميع لشيء لن يعرفوا قيمته إلا بعد أن يفقدوه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نقاش الساعة | سياسة أمريكا بين المصالح الإسرائيلية وأمن المن


.. وكالة تسنيم: هجمات أمريكية استهدفت الجسر الرابط بين بندر عبا




.. احتجاجات الخريجين بالعراق للمطالبة بالتوظيف الحكومي في ظل أز


.. سيناريوهات | تعهدات الزيدي بحل المليشيات قبيل زيارته إلى واش




.. خارج الصندوق | بعد لقاء الزيدي وترمب.. العراق يواجه أخطر 48