الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
فشل التمرد
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
2026 / 3 / 2
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
303 - أركيولوجيا العدم
العدمية الثورية
51 - فشل التمرد ومذبحة ديسمبر
في صباح 14 ديسمبر البارد سنة 1825، كانت سانت بطرسبرغ قد بدأت في الاستيقاظ تدريجياً. كانت الشوارع بيضاء مغطاة بطبقة من الثلج المتجلد من شدة البرد، ويجب السير بحذر لتفادي الانزلاق. بدأت وحدات من الحرس الإمبراطوري المتعاطف مع الديسمبريين بالتحرك. وتجمع نحو 3,000 جندي وضابط في ساحة مجلس الشيوخ (ساحة الديسمبريين لاحقًا) في سانت بطرسبورغ. ومع اقتراب الليل، أصبحت الساحة ممتلئة تماماً بالمواطنين الذين بدأوا يتوقعون حدوث شيء ما. وتسلقوا على الأسقف وكل ما يمكن أن يعطيهم رؤية أوضح للمربع المكون حول التمثال. أما القيصر ذاته، فقد كان يراقب الساحة من نافذة قصره. وقد أرسل عدة ضباط ليفاوضوا قادة التمرد ويقنعوهم بالعودة إلى ثكناتهم وتجنب سفك الدماء، فأرسل الجنرال ميخائيل ميلورادوفيتش (الذي شارك في الحروب النابليونية) لإقناع الجنود بالانصراف والعودة إلى ثكناتهم، غير أنه أثناء محاولته مخاطبة الجنود، أطلق الضابط الديسمبري بيوتر كاخوفسكي النار عليه، وقد استغل الإمبراطور هذا الحدث، معتبرا أن مقتل الجنرال أدى إلى انهيار أي أمل في تسوية سلمية، مما وفر لنيقولا مبررًا سياسيًا وأخلاقيًا لاستخدام القوة.. وكان قد تجمع أكثر من 12 ألف جندي لحماية القصر، وأخذوا مواقعهم في نهاية الساحة وفي الشوارع الكبيرة المحيطة بالقصر والساحة والقلعة. وقبل حلول الظلام بقليل، أعطى القيصر أوامره للمدفعية ببدء إطلاق النار على الساحة. في البداية، رفض جنود المدفعية إطلاق النار، مما اضطر الضابط لإطلاق الطلقات الأولى بنفسه. وبدأ الهرج والمرج في الساحة، حيث أخذ الناس يجرون في كل اتجاه محاولين الهروب. غير أن الساحة كانت محاصرة من جميع الجوانب بقوات القيصر، بالإضافة إلى القنابل المدفعية. ثم بدأ جنود القيصر في إطلاق الرصاص عشوائياً على كل من في الساحة.
وبدأ الثلج الأبيض يتحول ألى لون أحمر نتيجة دماء المواطنين والجنود، والذي سرعان ما يتجمد بفعل البرد. وحاولت مجموعة من الجنود اجتياز نهر النيفا للوصول إلى قلعة بيير وبول المقابلة، غير أن المدفعية وجهت طلقاتها إلى النهر المتجمد، وبعد عدة طلقات تكسر الثلج كالزجاج، مات أغلبهم غرقاً في المياه المثلجة.
ويبدو أن الأوامر كانت واضحة، لا رحمة على المتمردين، فكانوا يقتلون بدون تمييز بين المتمردين والمواطنين الذين تجمعوا من باب الفضول وحب الاستطلاع. الجرحى كان يطلق عليهم الرصاص أو يضربون بالسيوف وهم على الأرض. وكذلك الذين كانوا يسلمون أنفسهم كانوا يعدمون فوراً بعد أقل من ساعة. أصبحت الساحة خالية إلا من مئات الجثث المتفرقة في كل مكان وبقع الدم، كان هناك أكثر من 100 جثة، والبعض يقول 300 جثة، جنود وأطفال ونساء وخيول. أما البيان الحكومي الرسمي فقد ذكر موت شخصين وإصابة شخصين آخرين بجروح خطيرة. وقد طاردت الشرطة والجيش طوال الليل بقية المتمردين الذين تمكنوا من الهروب. أما قادة التمرد فقد ألقي القبض عليهم جميعاً في الليلة ذاتها.
وأعطى القيصر أوامر مشددة بتنظيف الساحة فوراً. وعُين ضابط كبير مسؤول عن هذه العملية لتغطية الحقيقة التاريخية أمام المجتمع. فأُلقي بجميع الجثث في نهر النيفا، بما في ذلك أجساد الجرحى. وأزيلت حتى طبقات الثلج الملوثة بالدم، ووُضعت مكانها طبقات نظيفة بيضاء. وأزيلت آثار الرصاص على الجدران بواسطة الجبس والأسمنت، ثم طُليت باللون المناسب. واستُبدل الزجاج المكسور لكل النوافذ المحيطة بالساحة، ونُظفت الأرضية من آثار القنابل المدفعية. وطوال الليل، كانت الساحة قد تحولت إلى ورشة عمل حتى الصباح الباكر، حيث أُعيدت الساحة إلى وضعها الطبيعي وكأنه لم يحدث أي شيء. ولم يبقَ أي أثر من آثار المعركة غير المتكافئة في الليلة السابقة. على أنه في الربيع اللاحق مع ذوبان مياه النهر، فإن الجثث المتجمدة ستطفو حتما على سطح النهر، وهو ما حدث فعلاً، وجعل الشرطة تسرع بإخراجها ودفنها في سرية مطلقة حتى لا يعرف المواطنون مصدر هذه الجثث.
أما في الجنوب، فإنه بعد القبض على بافل بيستيل في اليوم السابق للتمرد، 13 ديسمبر، ساعات قليلة بعد أن قام بدفن مخطوطة البرنامج السياسي في أحد الحقول، ولم يتمكن بالتالي من المشاركة في الثورة، ومع ذلك، فقد حكم عليه بالإعدام ونُفذ الحكم باعتباره قائد الثورة والأب الروحي للتنظيم السري. ولو نجح التمرد، فإنه سيكون حتماً قائد الحكومة المؤقتة، ومن يقود الإصلاحات السياسية المعلنة في البرنامج. غير أن الثورة أستمرت عدة أيام أخرى مع سيرج مورافيف، الذي تولى قيادة المنظمة السرية بالجنوب مع بافل بيستل. وهو كان من عائلة غنية تملك آلاف الهكتارات من الأراضي و4000 فلاح في منطقة كورسك جنوب موسكو. وكان مثقفاً وناشطا سياسيا، وشارك في حروب عديدة، منها الحروب النابليونية، وتحصل بدوره على السيف الذهبي لشجاعته في المعارك. غير أنه لم يكن يحب الجيش ولا إنضباط الحياة العسكرية، وقرر أن يقضي حياته في دراسة العلوم السياسية والقانون الدستوري في أوروبا وكندا. أفكاره ليبرالية رغم تدينه. وعندما سمع بالتمرد، قرر أن يقود الكتيبة التي يرأسها إلى مساندة التمرد، وتبعه جميع الجنود. في ذلك الوقت، كان الكثير من الضباط في العاصمة الأوكرانية كييف، وذلك لأن العديد من الضباط كانوا منضمين إلى المنظمة السرية. وقد انضم إلى جيشه مجموعات كبيرة من الجنود، وقرر أن يسير بجيشه حتى كييف. غير أنه في 3 يناير، تمكنت قوات القيصر من سحق هذا الجيش الصغير بعدة طلقات من المدفعية في ساعات قليلة. وجرح سيرج، وقتل أخوه، وأسر جميع الضباط، واقتادوهم مقيدين بالسلاسل. وكان هذا اليوم هو نهاية الثورة الديمسبرية الفعلي.
يتبع
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد قرار المحكمة.. هل يبدأ فضل شاكر حياة جديدة؟ | #ستوديو_وا
.. أوكرانيا وروسيا.. هجمات ببحر آزوف واضطراب سياسي بكييف بعد إق
.. مشاهد توثق آثار قصف أمريكي استهدف جسرا في بندر خمير جنوب إير
.. عبر الخريطة التفاعلية.. رصد لأبرز مواقع القصف الأمريكي على ج
.. فقرة خاصة | إلى أين يتجه الجدل الإيراني بشأن مذكرة التفاهم و