الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحياة قصيرة… ووطنٌ يستحق أن يُبنى

معتصم الصالح

2026 / 3 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


الحياة أقصرُ من أن تُؤجَّل، وأغلى من أن تُبدَّد في انتظارِ معجزةٍ لا تأتي. نعيشها مرةً واحدة، ولم نسمع بميتٍ عاد إلينا ليكشف لغز الموت ويُخفّف من رهبتِه. نمضي—في بلدانٍ أنهكها الخوف—بين سجنٍ وقبر، كأنَّ الزمنَ نفسه صار زنزانةً، وكأنَّ الغدَ مؤجَّلٌ إلى إشعارٍ آخر.

وفي العراق، لا يقف الأمر عند موت الجسد؛ بل هناك موتٌ أشدُّ قسوة: اغتيالُ الشخصية، تكسيرُ الإرادة، وإعادةُ تشكيل الإنسان حتى يغدو ظلًّا لما كان. يموت المعنى ساعةً ساعة، ويتآكل الأمل لحظةً لحظة، ويصبح البقاءُ مجرد عادةٍ ثقيلة لا حياةً كاملة.

يحدّثنا بعض “المثقفين” بنبرة الواثق: «العراق في 2025 سيكون قطعةً أمريكية خالصة… وبعدها لن تروا الوجوه التي جلبت الدمار والموت والكراهية». نسمع هذا ونسمع قبله؛ فقبل ترامب كانت وعود بوش وبلير، وقبلهم وبعدهم خططٌ تُقال على الشاشات أكثر مما تُبنى على الأرض: جعجعةٌ بلا طحين، وأحلامٌ تُسوَّق لتخدير الألم لا لمعالجته.

أنا لا أرى العالم تُديره أسماءٌ بعينها—لا بوتين، ولا ترامب، ولا ميركل، ولا غيرهم—بقدر ما تُديره منظومات مصالح ضخمة: مالٌ عابر للحدود، شركاتٌ واحتكارات، شبكات نفوذٍ تُحرّك السياسات حينًا، وتُعيد ضبط الإيقاع حينًا آخر. من ينسجم معها يُترك ليكمل دوره، ومن يعاندها يُدفع إلى الهامش. ليست “حكومةً خفية” بالضرورة كما يقال، لكنها حقيقةُ عصرٍ تُسمّى بأسماءٍ كثيرة: نفوذٌ، سوقٌ، لوبياتٌ، وميزانُ قوةٍ لا يرحم الضعفاء.

ومن أخطر ما يحكم هذه المنظومات منطقٌ باردٌ في النظر إلى البشر والموارد: أعدادٌ تتزايد، وثرواتٌ تُستنزف، وصراعاتٌ تُدار بدل أن تُحل. لذلك لا تُدار الحياة عندهم بوصفها مشروعَ كرامةٍ وإنسان، بل تُدار بوصفها “إدارة صراع”: صراعٌ على النفوذ، على الطاقة، على الممرات، على العقول… صراعٌ يُراد له أن يستمر لأن استمراره يُنتج مكاسبَ لمن يتقن الاستثمار في الفوضى.

وهكذا يصبح الشرق الأوسط—بكل ما فيه من تاريخٍ وثقافةٍ وطاقات—ساحة اختبارٍ لهذا المنطق. تُجزَّأ المجتمعات إلى جزرٍ متقابلة، وتُحقن الذاكرة بالكراهية، ويُعاد تعريف الآخر بوصفه تهديدًا لا شريكًا في وطن. تُستثار الغرائز تحت لافتاتٍ كبيرة: الدين، الثأر، الهوية، “الحق التاريخي”… بينما تُسرق الحياة بصمت: تعليمٌ يتراجع، صحةٌ تتآكل، اقتصادٌ يُدار بالريع والفساد، وأجيالٌ تُربّى على الخوف واللاجدوى.

وفي الداخل، تتكاثر الأقنعة: فئاتٌ تتعالى وتزعم أنها أقرب إلى الله، وأخرى تتغطرس وتدّعي الوصاية على التاريخ، وثالثة تتاجر بالوطن وهي لا ترى فيه إلا غنيمة. والفساد لا يعود حادثةً عابرة، بل يصبح نظامًا: يلتهم الدولة، ويُعيد إنتاج نفسه، ويجعل المواطن غريبًا في أرضه. لا لأن العراقي عاجز، بل لأن العجز يُصنَع له كل يوم: تارةً بتشويه الوعي، وتارةً بتقنين الفشل، وتارةً بتحويل السياسة إلى سوقٍ للولاءات.

لهذا، فإن التعويل على “خطة ترامب” أو “خطة غير ترامب” لا يصنع وطنًا. والوهم الأكبر أن ننتظر خلاصًا يأتي من خارج الحدود بينما الداخل مكسور. لن تُعيد الإعمار تصريحاتٌ ولا مؤتمرات، ولن تبني الدولةَ خطبٌ ولا وعود، ما لم تتغير قواعد اللعبة: دولةُ قانون لا دولةُ مزاج، مؤسساتٌ لا أشخاص، مواطنةٌ لا محاصصة، إنتاجٌ لا ريعية، وعدالةٌ لا انتقام.

المطلوب ليس قطيعةً مع البشر بقدر ما هو قطيعةٌ مع الأوهام: وهم المنقذ الخارجي، ووهم الزعيم المخلّص، ووهم أن الوطن يُبنى بالتمنيات. المطلوب عودةٌ إلى الذات بمعناها النبيل: الاعتداد بالكرامة، بناء وعيٍ نقدي، كسر ثقافة القطيع، رفض تزييف الحقائق، وامتلاك شجاعة السؤال: كيف نصنع دولةً تحمي الإنسان قبل أن تحمي السلطة؟

الحياة قصيرة… إن لم تُنجز فيها ما يليق بك وبأهلك وببلدك، ستتركها فارغةً كبيتٍ لم يُسكَن. ابنِ شيئًا للأجيال القادمة؛ فالحياة في جوهرها تعاقب الأجيال—وما نزرعه اليوم يحصده من يأتي بعدنا. نحن لسنا ضيوفًا على هذه الأرض، بل أمناؤها: نحن سادة هذه الأرض حين نكون أهلًا لها—علماً وعملاً وخلقًا ومسؤولية.

وأما أنا، فلا أريد أن أعيش على فتات وعودٍ قادمة من وراء البحار، ولا أبكي على زيارة بلدٍ لا يرانا إلا رقماً في دفتر مصالحه. لتذهب كل خطةٍ تُباع على هيئة “خلاص” إلى الجحيم إن كانت لا ترى الإنسان العراقي إلا تابعًا. وأقول لكل من يتقن التمثيل علينا: لو كنتَ كومبارسًا في كارتون “عائلة سيمبسون” لصدّقناك… ولو ظهرت في “باباي” لاحترمناك… لكن الأوطان لا تُدار بالرسوم المتحركة، ولا تُنقَذ بالاستعراض.

اعتنوا بأنفسكم… واعتنوا بوطنكم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد استهداف محطة براكة.. هل خرجت الميليشيات الإيرانية في الع


.. هل يصبح أحمد الأسير خارج السجن؟ وما مصير قانون العفو العام ف




.. جولة الصحافة| وول ستريت جورنال: شكوك بشأن التوصل إلى تسوية ق


.. نقاش الساعة - مصير هرمز.. هل تتراجع إيران عن السيطرة الكاملة




.. المتحدث باسم أسطول الصمود: ما يتعرض له الشعب الفلسطيني أفظع