الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بريشيباييف... أو القانون لا يجيز الغناء!

عزالدين محمد ابوبكر

2026 / 3 / 2
الادب والفن


من لم يسمع بالكاتب العظيم أنطون تشيخوف؟
بالتأكيد هناك من لم يسمع به على الكرة الأرضية، لكنه يبقى من أبرز الأسماء في عالم الأدب العالمي والروسي. هو "طبيب الأدب الروسي"؛ الذي نظر في وجوه الناس وإلى أعماقهم، ليكتب لنا قصصاً قصيرة يغوص فيها بمشرطه في أغوار الروح البشرية، كاشفاً تناقضاتها. في عالم تشيخوف، لا توجد بطولات خارقة أو ملاحم كبرى كـ "الحرب والسلام"، بل هناك الإنسان؛ الإنسان العادي المحاصر في تفاصيل حياته اليومية الرتيبة، والمطارد بالأسئلة الوجودية الكبرى وسط ضجيج عالمنا التافه.
عالم تشيخوف هو عالم التفاصيل الصغيرة؛ حيث الكلمات التي لم تُقَل. قصصه قصيرة في حجمها، لكنها لا نهائية في دلالاتها. أديبنا هذا لا يحكم على أبطاله؛ فهو لا يدين البطل ولا يمدح الفلاحين، بل يصدمنا بيده البيضاء التي تمسك قلماً، لأنه يضع القارئ أمام مرآة ليرى المجتمع بعبثيته وقسوته. لكن أكثر ما قد يؤلم المرء عند القراءة للمعلم تشيخوف، هو أنه حين يضحك على حماقة بطل أو فعل فرد من الفلاحين، يكتشف أنه يضحك على نفسه أو على مجتمعه. قصصه تبدأ باردة وتنتهي باردة، ليس في السرد بل في الموقف، وهي قصص تمثل استقطاعاً من أيام يعيشها الناس وتوثيقاً لها. قد يغضب البعض من هذا الكلام، لكن هذا ما أحسست به عندما قرأت قصصه ورأيتها متجسدة في واقعنا الغريب! وفي قصة اليوم، نرى بعض القيم والمواقف التي تستحق التأمل.
قصة العريف بريشيباييف
تعد هذه القصة، التي كُتبت عام 1885، واحدة من أبرز قصص تشيخوف؛ حيث لا يكتب فيها عن مجرد عريف متقاعد يفتعل المشاكل، بل عن وقفات أنطولوجية يحياها الناس. تدور ملامح القصة في قاعة محكمة ريفية بسيطة، تتحول بسرد تشيخوف المثير إلى مسرح إنساني لمواجهة بين عصرين وقيمتين.
أكثر ما يشد الانتباه هو تقديم نموذج بشري عابر للأزمنة؛ فـ "البريشيباييفية" هي حالة يعتقد فيها الفرد أن واجبه الأسمى هو خنق حرية الآخرين باسم القانون، بينما هو أبعد ما يكون عن روح القانون. نجد في القصة رؤيتين مثيرتين: الأولى رؤية "بريشيباييف" الذي يرى العالم فوضى تحتاج للضبط والربط دائماً، فإذا رأى مجموعة فرحة، لا يرى بهجتهم بل يرى تجمعهم "غير قانوني". الوجود بالنسبة له هو "الترتيب"، وأي خروج عن النص هو خطيئة تستوجب التدخل اليدوي. الرؤية الثانية هي رؤية القاضي، الذي يحاول إفهام بريشيباييف بأن وظيفته قد انتهت، وأن السلطة ليست مشاعاً.
تكمن المأساة الكوميدية في أن بريشيباييف يمارس القمع انطلاقاً من إخلاص مرضي، معتقداً بصدق أنه يحمي النظام العام. وهنا يهمس تشيخوف بسؤال قلق: هل يمكن للفضيلة أن تتحول إلى رذيلة إذا تجردت من الوعي؟ بريشيباييف لا يفهم لماذا يُحاكم، لأنه في نظره يؤدي واجبه، تماماً كحال البعض في مجتمعنا. لديه قناعة راسخة بأن "الرعاع" يحتاجون دائماً لمن يفرقهم، ويبرز في السرد تباين بين خشونته وهدوء القاضي الذي يحاول عبثاً استخدام المنطق معه. قوله: "الناس لا يفهمون، إنهم كالبهائم..." يلخص نظرته للعالم؛ حيث يرى الوجود الإنساني في مرتبة أدنى من رتبته العسكرية السابقة، فيغدو التعبير عن الحرية لديه "قلة أدب"، والتجمعات "مؤامرات"!
وتنتهي القصة بصدور حكم بحبسه، لكن المثير للدهشة هو رد فعله عند مغادرة المحكمة؛ حيث يبدأ فوراً بممارسة هوايته في الأمر والنهي وتفريق الناس. هنا يعلمنا تشيخوف أنه لا يكتب عن فلاح أحمق، بل عن ظاهرة إنسانية. البريشيباييفية هي حالة يكون فيها الفرد مسجوناً داخل إطار من القواعد الجافة، ليصبح حارساً لزنزانته الخاصة، ومنفذاً لعقوبات لا يطلبها منه أحد. هي مأساة الإنسان الذي لا يستطيع العيش دون "عدو" يمنعه، أو فوضى يقمعها، ليثبت لنفسه أنه موجود.
يُذكر أن عمدة القرية ورجال الشرطة تدخلوا لتهدئة الموقف، لكن بريشيباييف لم يعترف بسلطتهم، بل رآهم متقاعسين، مما دفعه لأخذ زمام المبادرة بيده. بريشيباييف ليس شريراً بالمعنى التقليدي، بل هو "مريض بالنظام"؛ تشرب العقلية القمعية حتى ظن أنه هو النظام ذاته.
"القانون لا يجيز الغناء!"
هذه العبارة مرعبة؛ كيف يكون هناك قانون لا يجيز الحياة؟ أين الحق في الحياة الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ هذه الجملة هي المفتاح لفهم فكر بريشيباييف؛ فالقانون عنده ليس قواعد تحمي الحريات، بل قائمة "ممنوعات". هو يتوهم نصوصاً تمنع الفرح والغناء، ويفسر النظام على أنه صمت مطبق. الغناء هو أسمى تعبير عن الحرية، وقول بريشيباييف هذا هو إعلان حرب على الحياة نفسها. والمفارقة أنه يستند إلى قانون غير موجود، مخترعاً قوانين من مخيلته القمعية ليبرر نزعته للتحكم.
اسم القصة بالروسية مشتق من الفعل "بريشيبت" (Pryshibeyev) الذي يعني: يسحق، يلطم، أو يصرع. البطل هو "السحق" المتجسد في إنسان. هذه القصة نبوءة أدبية استشرف بها تشيخوف ظهور الأنظمة الشمولية التي تعتمد على "المخبرين السلبيين". ولا يزال صوت أمثاله يتردد في عالمنا: "تفرقوا! لا تتجمهروا! القانون لا يجيز الغناء!". أما قوله الذي يطعن قلب كل مفكر: "أنا وحدي أستطيع أن أفهم كل هذه الأمور، أما هؤلاء البسطاء فلا يفهمون شيئاً".

قصة تشيخوف صرخة ضد "البريشيباييفية" كحالة ذهنية عابرة للزمن، يختار فيها الإنسان العبودية الطوعية تحت قناع حماية النظام. الاستبداد ليس محصوراً في الطغاة الكبار، بل يمارسه أي فرد يمنح نفسه الحق في مراقبة الآخرين وقمع حرياتهم. تحذرنا القصة من الهوس بالنظام الذي قد يحول الحياة إلى جحيم يخنق العفوية. والدرس المستفاد هو ضرورة مراجعة قناعاتنا؛ فليس كل ما نظنه "واجباً" هو صحيح إذا كان يؤذي الآخرين، واليقين المطلق وصفة للدمار الاجتماعي. الإنسان الحقيقي لا يحتاج لسحق الآخرين لثبات وجوده.
ولك أن تتخيل، كم من "بريشيباييف" يعيش بيننا اليوم كأفراد وأشخاص بسطاء!

مرجع القصة: صفحة 101، المجلد الأول، الأعمال المختارة؛ أنطون تشيخوف؛ الطبعة الأولى-2009، دار الشروق، القاهرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات