الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مضيق هرمز وصراعات القوة والاقتصاد
حسين علي محمود
2026 / 3 / 3مواضيع وابحاث سياسية
يشكل مضيق هرمز أحد أكثر الممرات المائية حساسية في النظام الدولي المعاصر ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، بل لأنه يمثل عقدة مركزية في شبكة الطاقة العالمية.
تمر عبر هذا المضيق نسبة تقارب خمس تجارة النفط في العالم وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن ما يقارب 17 إلى 20 مليون برميل نفط يومياً تعبره، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال ولا سيما من قطر فضلاً عن حركة تجارية كثيفة تربط اقتصادات آسيا بأوروبا وأفريقيا.
هذه الأرقام تكشف أن الحديث عن إغلاقه لا يندرج في إطار المناكفات السياسية، بل يمس مباشرة استقرار الاقتصاد العالمي لأن أي تعطيل حتى لو كان مؤقتاً كفيل بإحداث قفزة فورية في أسعار الطاقة بفعل علاوة المخاطرة بغض النظر عن حجم التراجع الفعلي في الإمدادات.
يعد المضيق نموذجاً كلاسيكياً لما تسميه أدبيات الاستراتيجية البحرية بأمن الممرات، فالقوة البحرية تاريخياً لم تكن فقط أداة للهيمنة العسكرية بل وسيلة لضمان تدفق التجارة وحماية الشرايين الاقتصادية.
من هذا المنظور يتحول أي تهديد لممر بحري حيوي إلى تحد مباشر للنظام الدولي القائم، أما في مفهوم الردع البحري فالمعادلة تقوم على قدرة طرف ما على رفع كلفة استخدام الممر أو تعطيله إلى حد يجبر الخصوم على إعادة حساباتهم. لا تمتلك إيران اليوم أسطولاً تقليدياً موازياً للقوى الكبرى، لكنها تبنت عقيدة الردع غير المتماثل، أي القدرة على الإزعاج ورفع الكلفة عبر أدوات صغيرة نسبياً لكن عالية التأثير مثل الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ الساحلية والطائرات المسيرة.
هذا النوع من الردع لا يهدف إلى السيطرة الدائمة، بل إلى خلق حالة من عدم اليقين تجعل أي تحرك معاد مكلفاً سياسياً وعسكرياً.
غير أن الردع البحري يختلف عن الردع النووي في نقطة جوهرية فهو أقل استقراراً وأكثر عرضة لسوء الحساب. إغلاق المضيق لا يعني مجرد رسالة سياسية، بل تعطيل فعلي لتدفقات تجارية عالمية ما يدفع أطرافاً متعددة إلى التدخل.
لذلك فإن استخدام ورقة المضيق يحمل في داخله احتمال الانزلاق من الردع إلى التصعيد غير المنضبط.
إذا نظرنا إلى السيناريوهات المحتملة يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية.
● الأول هو سيناريو التهديد دون تنفيذ، حيث تكتفي إيران برفع مستوى الخطاب وإجراء مناورات أو عمليات محدودة لرفع الأسعار وإرسال رسائل ردع دون الوصول إلى إغلاق فعلي.
هذا السيناريو يحقق مكاسب تكتيكية بأقل كلفة ممكنة ويحافظ على هامش المناورة.
● الثاني هو سيناريو التعطيل المؤقت عبر استهداف محدود أو زرع ألغام بشكل انتقائي ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتوتر إقليمي، لكنه يظل قابلاً للاحتواء خلال أسابيع بفعل تدخل دولي سريع.
● الثالث هو سيناريو الإغلاق الواسع والمستمر وهو الأكثر خطورة، إذ سيدفع إلى تشكيل تحالف بحري دولي لإعادة فتح الممر بالقوة ويضع المنطقة على حافة مواجهة مباشرة بين إيران وقوى كبرى.
● السيناريو الرابع فهو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، حيث يتحول المضيق إلى ساحة اشتباك ضمن حرب متعددة الجبهات تشمل أطرافاً إقليمية ودولية ما يعيد رسم معادلات الردع في الخليج لسنوات طويلة.
إن موقف القوى الكبرى في هذه السيناريوهات سيكون حاسماً، فالولايات المتحدة بوصفها الضامن التقليدي لأمن الملاحة في الخليج، ستنظر إلى أي إغلاق طويل الأمد باعتباره تحدياً مباشراً لمصداقيتها الاستراتيجية ما يدفعها إلى حشد تحالف بحري واسع لضمان حرية الملاحة.
أوروبا رغم تراجع اعتمادها النسبي على نفط الخليج مقارنة بالماضي، ستتضرر بشدة من أي صدمة طاقوية جديدة خصوصاً في ظل هشاشة اقتصادية وتضخم مرتفع ما يجعلها تميل إلى دعم أي جهد دولي لإبقاء الممر مفتوحاً ولو مع محاولة تجنب مواجهة شاملة.
الصين تمثل حالة أكثر تعقيداً، فهي المستورد الأكبر للطاقة من الخليج وأي تعطيل طويل سيؤثر مباشرة في نموها الصناعي وأمنها الطاقوي.
لذلك من غير المرجح أن تؤيد إغلاقاً مستداماً، لكنها في الوقت ذاته قد تسعى إلى استثمار الأزمة لتعزيز خطابها حول ضرورة نظام دولي أقل خضوعاً للهيمنة الغربية وربما لتوسيع حضورها البحري في المحيط الهندي تحت عنوان حماية طرق التجارة.
أما روسيا فقد تجد في ارتفاع أسعار الطاقة مكسباً اقتصادياً مرحلياً، لكنها لن تكون معنية بفوضى طويلة تزعزع استقرار أسواق الطاقة العالمية خاصة إذا أدت إلى ركود عالمي يضر بطلب الطاقة على المدى المتوسط.
ستكون الدول الخليجية في قلب العاصفة، فاقتصاداتها تعتمد على استمرار تدفق الصادرات عبر المضيق وأي تعطيل طويل سيؤثر في إيراداتها واستقرارها المالي.
صحيح أن بعض دول الخليج استثمر في خطوط أنابيب بديلة تقلل الاعتماد الكامل على المضيق، لكن هذه البدائل لا تستطيع تعويض التدفق بالكامل.
لذلك ستدعم بقوة أي ترتيبات أمنية تعيد الاستقرار السريع للممر حتى لو تطلب الأمر تعزيز الوجود البحري الدولي في المنطقة.
كل هذه التفاعلات لا يمكن فصلها عن التحول الأوسع في بنية النظام الدولي، اليوم العالم يشهد انتقالاً تدريجياً من هيمنة أحادية إلى تعددية قطبية ناشئة، إذ تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية صاعدة.
في هذا السياق يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر للطاقة ويتحول إلى اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات في نظام دولي أقل استقراراً وأشد تنافساً.
فإذا كان النظام الأحادي يسمح أحياناً بتدخل حاسم وسريع يفرض قواعد واضحة، فإن التعددية القطبية تزيد من تعقيد الحسابات، إذ تسعى كل قوة إلى حماية مصالحها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في المحصلة تبدو ورقة المضيق أداة ردع ذات أثر فوري وقوي، لكنها محكومة بسقف استراتيجي واضح.
تستطيع طهران عبرها رفع الكلفة وخلخلة التوازنات وإيصال رسائل سياسية حادة، لكنها لا تستطيع تحويلها إلى أداة سيطرة طويلة الأمد من دون مواجهة تحالفات أوسع وتحمل كلفة قد تتجاوز المكاسب.
وبين منطق الردع البحري ومنطق أمن الممرات يبقى مضيق هرمز نقطة تقاطع حساسة بين الاقتصاد والجغرافيا والسياسة ومرآة تعكس هشاشة التوازنات في نظام دولي يتجه بثبات نحو تعددية أكثر تنافساً وأقل يقيناً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الاحتلال الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على الضاحية بلا أي تحذير
.. هل يملك الرئيس ترمب أجوبة للشارع الأمريكي بشأن سياسة البلاد
.. من استهدف قبرص وتركيا وأذربيجان ومنشآت مدنية ونفطية في الخلي
.. ليلة طويلة عاشها أهالي طهران.. التفاصيل مع مراسل الجزيرة
.. الجيش الإسرائيلي: نفذنا 26 موجة من الهجمات في الضاحية الجنوب