الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تأويلُ السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ
ميشيل الرائي
2026 / 3 / 3العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الكتابةُ إلى الشاعرة المغربية أُمَيْمَةَ مَلَاكٍ
نشأتُ في أسرةٍ متدينة، لكن تدينها لم يكن أيديولوجيًا ولا صداميًا، بل أقرب إلى ما يمكن أن يُسمّى تدينًا فطريًا؛ إيمانًا يُمارَس بوصفه عادةً ثقافية قبل أن يكون موقفًا معرفيًا. في تلك البيئة الأولى تشكّلت صورتي البدئية عن الله: صورةٌ بسيطة، متماسكة، تكاد تكون بديهية. لم أكن أتصور آنذاك أن هذه الصورة ليست “الله” بقدر ما هي تمثيل ثقافي له.
في مرحلة المراهقة، حين يبدأ العقل في اختبار حدوده، انقلبتُ على تلك الصورة. شرعتُ أقرأ كل خطابٍ نقدي أو هجومي يتناول فكرة الإله، وكنت أظن أنني أواجه مفهومًا واحدًا محددًا، كأن “الله” مصطلح ذو تعريف نهائي لا يقبل التعدد. آمنتُ يومها – من غير أن أدري – بوهمين متقابلين: وهم الإيمان بوصفه يقينًا مغلقًا، ووهم الإلحاد بوصفه نفيًا حاسمًا. لم أكن قد أدركت بعد أن كليهما قد يتحول إلى بنية تصنيفية، إلى هوية تُلبَس أكثر مما تُفهَم.
في مجتمعاتنا العربية، يسبق التصنيفُ الحوارَ. لا يُخاطَب المرء بوصفه إنسانًا، بل بوصفه انتماءً: سنيًّا أم شيعيًا؟ مؤمنًا أم ملحدًا؟ وكأن اللغة لا تشتغل إلا بعد تثبيت الهوية داخل خانة جاهزة. هذه النزعة التصنيفية لا تُنتج معرفة، بل تُنتج طمأنينة شكلية؛ إنها حاجة إلى تحديد الآخر قبل الاستماع إليه. كنتُ أظن أنني أتحرر من التصنيف حين أعلنتُ إلحادِي، غير أنني في الحقيقة كنت أستبدل تصنيفًا بآخر.
أذكر أنني، في حماسة المراهقة، كنت أستشهد بعبارات صادمة، مثل مقولة عبد الله القصيمي في كتابه هذه هي الأغلال: “اسكت يا الله وإلا فسأقول”. كنت أرددها بوصفها إعلان تمرّد، وأحسب أنني بذلك أبني خطابًا معارضًا في بيئةٍ يغلب عليها التدين الشكلي. غير أنني، حين أستعيد تلك المرحلة اليوم، أبتسم. لم يكن خطابي آنذاك سوى مرآةٍ معكوسة للخطاب الذي أرفضه؛ بنيةٌ جدلية تعتمد الخصم لتثبيت ذاتها.
ما لم أكن أعيه آنذاك هو أن “الله” ليس مفهومًا أحادي الدلالة. إنه، من منظور سيميائي، دالٌّ عائم، تتعدد مدلولاته بحسب الأنساق الثقافية والتجارب الفردية. الإله الذي يتصوره المتصوف ليس هو الإله الذي يتصوره الفقيه، ولا هو الإله الذي ينفيه الملحد. بل يمكن القول إن “الله” الذي يسكن وعي كل فرد هو تركيب خاص، شبكة من العلامات والخبرات والتمثلات. وعليه، فإن كثيرًا من النزاعات حول الله ليست سوى نزاعات لغوية، صراعات على تعريفات لا على ذوات.
تدريجيًا، أدركتُ أن الذي ينكر قد ينكر تصورًا بعينه لا مطلقًا، وأن الذي يعبد قد يعبد صورةً ذهنية تشكلت داخل أفقه الخاص. كلاهما، في كثير من الأحيان، يتعامل مع بناء رمزي لا مع حقيقة متعالية. وهنا يتبدى البعد البراغماتي للموقف: فالإيمان والإلحاد ليسا فقط نتائج استدلالات نظرية، بل قد يكونان أيضًا استجابتين لحاجات نفسية واجتماعية؛ وسيلتين للتموضع داخل الحقل الثقافي.
لم أعد أرى المسألة بوصفها ثنائية صلبة بين مؤمن وملحد، بل بوصفها طيفًا من التأويلات. الإيمان، كما الإلحاد، يمكن أن يتحول إلى أيديولوجيا حين يُستعمل كهوية مغلقة. أما حين يُفهم بوصفه سؤالًا مفتوحًا، فإنه يغدو جزءًا من مشروع أوسع: مشروع فهم الإنسان لذاته عبر الرموز التي ينتجها.
لقد علّمتني تلك المرحلة أن أخطر ما في الخطابات الدينية أو اللادينية ليس مضمونها المعلن، بل ادعاؤها امتلاك تعريف نهائي. وأن الإنسان، قبل أن يكون “مؤمنًا” أو “ملحدًا”، هو كائنٌ مؤوِّل؛ يعيش داخل شبكة من العلامات، ويتنازع مع غيره أحيانًا لا على الحقائق، بل على الكلمات التي يظنها حقائق.
بهذا المعنى، لم تكن رحلتي من الإيمان الفطري إلى الإلحاد المعلن ثم إلى الشك التأويلي انتقالًا بين عقائد، بل انتقالًا بين أنماط قراءة. لقد خرجتُ من وهم اليقين إلى وعي التعدد، ومن صراع الشعارات إلى مساءلة المفاهيم. وربما كان الدرس الأهم أن النزاع حول الله، في كثير من صوره، ليس سوى نزاع حول اللغة التي نتكلم بها حين نحاول أن نسمّي ما يتجاوزنا.
ومع الزمن، بدأتُ أتنبه إلى أن المسألة لا تتعلق بوجود الله أو عدمه بقدر ما تتعلق بالبنية الذهنية التي تطلب يقينًا حاسمًا. إن العقل، حين يُترك دون تدريب نقدي، يميل إلى الاختزال؛ يفضّل الإجابة النهائية على السؤال المفتوح، ويستبدل التعقيد بالتصنيف. كنتُ في مرحلتي الأولى أبحث عن يقين يُغلق القلق، ثم في مرحلتي الثانية عن نفيٍ يُغلقه بطريقة معاكسة. وفي كلتا الحالتين كنت أهرب من منطقة ثالثة: منطقة الالتباس المنتج.
لقد تعلّمتُ لاحقًا، عبر انشغالي بعلم العلامات، أن المفاهيم الكبرى لا تعمل بوصفها تعريفات معجمية، بل بوصفها عُقَدًا دلالية تتقاطع فيها طبقات التاريخ والأسطورة واللاهوت والفلسفة والتجربة الفردية. إن كلمة “الله” ليست مجرد إحالة إلى كيان متعالٍ، بل هي نصٌّ تراكمي، يمكن قراءته بعدد لا نهائي من الطرائق. ومن هنا، فإن النزاع حوله يشبه نزاع قرّاءٍ يتشاجرون لأنهم يظنون أن تأويلهم الوحيد هو النص نفسه.
في تلك المرحلة من حياتي، كنت أظن أن إعلان الموقف – إيمانًا كان أو إلحادًا – فعل شجاعة فكرية. واليوم أرى أن الشجاعة الحقيقية تكمن في تعليق الحكم، في الإقامة داخل السؤال دون استعجال الخروج منه. لقد اكتشفتُ أن كثيرًا من الخطابات التي تتصارع في فضائنا الثقافي لا تتجادل حول المعنى بقدر ما تتجادل حول الهوية؛ كل طرف يعلن نفسه حارسًا للحقيقة، لا باحثًا عنها.
ثمة وهمٌ آخر أدركته متأخرًا: الاعتقاد بوجود “مؤمن خالص” أو “ملحد خالص”. التجربة الإنسانية أكثر تركيبًا من هذه الثنائيات. فالمؤمن قد يسكنه شكٌّ صامت، والملحد قد تسكنه أسئلة ميتافيزيقية لا يعترف بها. كلاهما يتحرك داخل أفق ثقافي يحدد إمكانات تفكيره، ويستعمل لغةً ورثها قبل أن يختارها. وما نظنه قرارًا حرًا قد يكون أحيانًا استجابةً لموقع اجتماعي أو حاجة نفسية أو رغبة في الانتماء.
وحين أعود بذاكرتي إلى ذلك الشاب الذي كان يجاهر بإلحاده في مدينةٍ يغلب عليها التدين الشكلي، أرى الآن أن صراعه لم يكن مع الله بقدر ما كان مع صورة اجتماعية للدين. كان يحتجّ على النفاق أكثر مما يحتجّ على الميتافيزيقا. لكنه، لافتقاره إلى أدوات التحليل، صاغ احتجاجه بلغةٍ حدّية، فحوّل نقد السلوك إلى نفيٍ للرمز نفسه.
لقد علّمتني تلك التجربة أن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بفكرةٍ كبرى هو أن يختزلها في تعريف واحد، أو أن يتعامل معها كموضوع امتلاك. حين يتحول الله إلى شعار، يفقد بعده الرمزي، ويغدو أداةً للصراع لا أفقًا للتأمل. وحين يتحول الإلحاد إلى هوية مغلقة، يفقد هو أيضًا طابعه النقدي، ويصبح عقيدةً مضادة لا أقل صلابة.
اليوم، لا أزعم أنني أملك جوابًا نهائيًا. ما أملكه هو وعيٌ بطبيعة السؤال. لقد أدركتُ أن النزاعات التي بدت لي يومًا صراعات وجودية قد تكون، في كثير من الأحيان، صراعات تأويلية. وأن الإنسان، قبل أن يختار موقفًا من الله، يحتاج أن يفهم اللغة التي يتكلم بها حين ينطق هذه الكلمة.
ربما كان النضج الفكري ليس انتقالًا من الإيمان إلى الإلحاد أو العكس، بل انتقالًا من السذاجة الدلالية إلى الوعي بتعدد المعاني. من الاعتقاد بأن الكلمات تشير إلى أشياء بسيطة، إلى إدراك أنها تفتح متاهات. وفي تلك المتاهة، لا يعود الهدف أن ننتصر في الجدل، بل أن نحسن الإصغاء؛ لأن ما نختلف حوله قد لا يكون الحقيقة ذاتها، بل الطريقة التي نحاول بها تسميتها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ما حسابات إيران لاختيار المرشد الأعلى الجديد؟
.. الشريعة والحياة | البر بالأبناء .. كيف يحقق الإسلام الإحسان
.. تركي الفيصل يعدد 3 أجندات -كارثية- تواجهها المنطقة.. ماذا قا
.. 2- So We provoked enmity and hatred among them, until the Da
.. الجزيرة ترصد عن قرب الأوضاع في العاصمة الإيرانية والتحضيرات