الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ميراثُ القلق.. وترفُ الاستغناء

إكرام فكري

2026 / 3 / 3
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هل سبق لك أن تأملت الزوايا الممتلئة في بيوتنا القديمة وتساءلت عن تلك اليد الخفية التي تدفع الإنسان للتمسك بأشياء انتهى عمرها الافتراضي منذ عقود؟ لماذا يبدو وكأن هناك جيلاً كاملاً قد اتحد على ميثاق غليظ عنوانه "الاكتناز والتحوط"، بينما يميل الجيل الذي يليه إلى "الاستغناء والتبسيط"؟ إنها إشكالية تتجاوز مجرد اختلاف الطباع، لتفتح باباً واسعاً على سيكولوجية الحرمان وتأثير الصدمات التاريخية التي تُنقش في الذاكرة الجمعية قبل أن تظهر في سلوك الأفراد كآليات دفاع صامتة.
إن هذا "النهم للتملك" أو الخوف المرضي من شبح الفقر ليس وليد اللحظة، بل هو صدى لسنوات القحط الروحي والمادي التي عُجنت بها طفولة جيل السبعينات وما قبله. حين ينمو الإنسان في بيئة تُجبره على الركض قبل أن يتعلم المشي، وحين تُسرق منه براءة الطفولة لتُستبدل بمسؤوليات شاقة ومبكرة كخدمة في البيوت أو كفاح لإعالة الآخرين بينما الأقران نيام، يتبرمج عقله الباطن على أن العالم مكان موحش لا يعطي إلا لمن يغالب. بالنسبة لهذا الجيل، الفقر ليس نقصاً في المال فحسب، بل هو "وحش" قد يعود في أي لحظة ليخطف الاستقرار الهش، ولذلك يصبح الاكتناز هنا "درعاً واقياً"؛ فكل غرض مخزن—مهما بدا تافهاً—هو صرخة صامتة تقول: "لن أحتاج لأحد مجدداً، ولن أسمح للحرمان بأن يكسرني ثانية".
هذا الخوف يتجذر أكثر حين تقترن الحاجة المادية بانسداد الآفاق التعليمية والاجتماعية. ففي تلك الظروف التي فُرضت فيها المسؤوليات الكبرى، كزواج مبكر في سن المراهقة لمجرد مداراة "خوف المجتمع من الفضيحة" أو لسد ثغرات عائلية، خلقت فجوة هائلة بين رغبات الذات وواقع المفروض. هذا الاغتراب عن النفس، وحرمان الإنسان من حقه الفطري في التعليم والنمو الطبيعي، يولد حالة من عدم القناعة المزمنة التي لا يشفيها إلا "التملك المادي". إنهم لا يجمعون الأشياء لأنهم يحبونها، بل لأنهم يحاولون "ترميم" طفولة لم تكتمل، وسد فجوات عاطفية تركتها الحاجة في نفوسهم الصغيرة؛ فامتلاك الأغراض يصبح هو الطريقة الوحيدة للشعور بالسيطرة على حياةٍ سُلبت منهم في البداية ولم يملكوا حق اختيار مساراتها.
والمفارقة المدهشة في هذا السياق هي "انقطاع السلسلة" لدى الأجيال اللاحقة. فرغم العيش تحت سقف واحد، يظهر الأبناء بعقلية مختلفة تماماً، لا تعرف للاكتناز طريقاً ولا للخوف من الفقر مكاناً. هذا التباين ليس مجرد اختلاف في الأذواق، بل هو نتيجة طبيعية لأن الأبناء لم يتنفسوا غبار الحرمان الذي خنق طفولة من قبلهم. لقد نجح الجيل القديم، بوعي أو بغير وعي، في أن يكون "ممتص الصدمات"؛ فبينما كان هو يكدس الأشياء خوفاً من العدم، كان يبني لأبنائه جسراً من الأمان النفسي سمح لهم بالتحرر من سجن "الخوف من الندرة" إلى رحابة "اليقين بالوفرة". لقد كانت تلك الأكياس المكدسة والخوف من صرف الدرهم هي الثمن الذي دفعه الآباء لكي يولد الأبناء بقلوبٍ خفيفة، لا يثقلها هاجس العوز ولا ترهقها ذكريات الحرمان.
إن تحرر الجيل الجديد من عقدة الاكتناز هو في الحقيقة "الثمرة المرة" لجهاد جيل لم يعرف معنى الطمأنينة. نحن لا نملك "فوبيا الفقر" لأنهم بكل بساطة كانوا هم "السد" الذي منع ذلك الفقر من الوصول إلينا. إن ما نراه اليوم "هوساً" في أعين الكبار هو في الحقيقة أوسمة حرب من زمن مضى؛ هم اكتنزوا لكي لا نحتاج، وخافوا لكي نطمئن، وقبضوا أيديهم لكي نبسط نحن أيدينا للحياة بكل خفة وثقة، وكأنهم يقولون بصمت: "لقد شبعنا خوفاً، لكي تشبعوا أنتم حرية".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل يتحالف الأكراد والعرب مع واشنطن لإسقاط النظام الإيراني؟


.. هل دخلت الحكومة اللبنانية مرحلة المواجهة مع حزب الله؟




.. الرئيس الأمريكي: لن أقبل بزعيم إيراني جديد يواصل سياسات خامن


.. قراءة عسكرية.. إنذارات بالإخلاء لمساحات غير مسبوقة في ضاحية




.. هل تملك إيران القدرة على إغراق حاملة طائرات أمريكية؟