الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تُقصف كردستان... وتصمت بغداد عن السيادة

جبار قادر

2026 / 3 / 3
القضية الكردية


من وجهة نظر كردية تستند إلى الوقائع الميدانية، لا يمكن فصل القصف الإيراني المتكرر على إقليم كردستان عن شبكة نفوذ عسكرية وأمنية نسجتها إيران داخل العراق منذ عام ٢٠٠٣، عبر فصائل وميليشيات مسلحة مرتبطة بها عقائديًا وتنظيميًا. فالضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تستهدف مناطق محددة في كردستان لا تأتي في فراغ، بل تتقاطع مع خطاب وتحركات ميليشيات عراقية منضوية ضمن الحشد الشعبي، وفصائله الأكثر التصاقًا بطهران مثل كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وغيرها من التشكيلات التي إرتبط اسمها بسفك الدماء والتدمير. هذه الفصائل لم تُخفِ يومًا عداءها السياسي لتجربة كردستان، واعتبرت الإقليم ساحة ضغط في صراعها المفتوح ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وخصوم إيران الإقليميين.
على الأرض، يتجلى هذا الترابط في أكثر من مستوى. أولًا: الانتشار العسكري للفصائل الموالية لإيران في المناطق المتنازع عليها بعد أحداث ١٦ أكتوبر ٢٠١٧ خلق طوقًا جغرافيًا ضاغطًا على الإقليم، ما جعل حدوده مفتوحة أمام التهديد من الجنوب والغرب، بالتوازي مع الضغط الإيراني من الشرق. ثانيًا: الخطاب الإعلامي لهذه الفصائل غالبًا ما يسبق أو يواكب الضربات الإيرانية باتهامات متكررة لأربيل بـ«احتضان الموساد» أو «التآمر مع واشنطن»، وهي اتهامات لم تُقدَّم عليها أية أدلة يقبلها العقل السليم، لكنها تُستخدم سياسيًا لتبرير أي تصعيد. ثالثًا: ثمة وقائع سابقة لإطلاق صواريخ من داخل الأراضي العراقية باتجاه أربيل في فترات توتر، نُسبت إلى فصائل مسلحة مرتبطة بمحور طهران، ما يعزز الانطباع الكردي بأن الإقليم يتعرض لضغط مزدوج: ضربات مباشرة من إيران، وضغط غير مباشر عبر وكلائها.
من المنظور الكردي، هذه السياسة العدوانية ليست دفاعًا مشروعًا عن النفس، بل إدارة صراع على حساب طرف أقل تسليحًا وقدرة على الرد. فإقليم كردستان لا يمتلك منظومات دفاع جوي متطورة، ولا يملك قرار الحرب والسلم على المستوى الدولي، لأنه جزء من دولة يُفترض أنها اتحادية. ومع ذلك يُستهدف بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة عابرة للحدود. هنا تتبلور في الوعي الكردي فكرة أن العدوان يُختار بعناية ضد من يُعتقد أن قدرته على الرد محدودة، بينما تُتجنب الساحات التي قد تفرض كلفة عالية، مثل استهداف قواعد أمريكية في تركيا العضو في الناتو، أو مواقع إسرائيلية محتملة في جمهورية أذربيجان. ميزان القوة، لا ميزان العدالة، هو ما يحكم القرار الإیراني. لقد قامت تجربة كردستان خلال العقود الثلاثة الماضية على حماية مكاسب تحققت بتضحيات جسيمة بعد عقود من القمع والحروب. ومؤسسات الإقليم والانفتاح الاقتصادي ليست أدوات عدوان على أحد، بل ركائز كيان يسعى إلى الاستقرار ضمن دولة يقول دستورها إنها اتحادية. لذلك يرى كثير من الكرد أن استهداف الإقليم ليس بسبب فعل عسكري صادر عنه، بل بسبب رمزيته السياسية كنموذج مستقر نسبيًا في محيط مضطرب. هذا النموذج، بحد ذاته، قد يُنظر إليه كعامل إزعاج لأنظمة تخشى انتقال عدواه المعنوية إلى داخل حدودها.
الرد الكردي على هذا الواقع لا ينطلق من دعوة إلى التصعيد، بل من التشبث بالشرعية الدستورية وحق الدفاع عن المكتسبات. فالإقليم جزء من دولة معترف بها دوليًا، وأي اعتداء عليه يُفترض أن يُعدّ اعتداءً على سيادة العراق. كما أن حماية التجربة الكردية لا تعني تهديد جيرانها، بل على العكس، فإن استقرار كردستان كان طوال سنوات عامل توازن اقتصادي وأمني في المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الإقليم هو دفاع عن مبدأ أن الخلافات الأمنية تُحل بالحوار والتنسيق، لا بالصواريخ. في النهاية، يتشكل الموقف الكردي من قناعة بأن العدوان المتكرر، سواء جاء مباشرة من إيران أو عبر أذرعها من الفصائل العراقية المرتبطة بها، يهدف إلى تقليص هامش الاستقلال السياسي للإقليم وإبقائه تحت ضغط دائم. غير أن التجربة أثبتت أن الكرد، رغم محدودية إمكاناتهم مقارنة بدول إقليمية كبرى، استطاعوا الحفاظ على كيانهم عبر العمل السياسي، والعلاقات الدولية، والتمسك بحقوقهم الدستورية. ومن هنا، فإن الرسالة الكردية ليست خطاب مواجهة بقدر ما هي تأكيد على أن استهداف طرف لأنه أضعف عسكريًا لا يمنح شرعية أخلاقية أو قانونية للعدوان، وأن الحفاظ على مكتسبات كردستان حق مشروع لن يُتخلى عنه تحت ضغط الصواريخ أو تهديد الميليشيات الخارجة على القانون.
في المحصلة، قد تستطيع الصواريخ أن تُحدث دمارًا آنياً، وقد تنجح الميليشيات في فرض وقائع مؤقتة بقوة السلاح، لكن التجارب التاريخية تُثبت أن الكيانات التي تقوم على القمع والتوسع عبر الأذرع المسلحة لا تدوم إلى الأبد. النفوذ القائم على السلاح يتغير بتغيّر موازين القوى، أما الإرادة الشعبية المتجذرة في الأرض فتبقى. إن الأنظمة التي تبني سياساتها على تصدير أزماتها إلى الخارج، وعلى إدارة نفوذها عبر الميليشيات، تواجه في النهاية استحقاقات داخلية لا يمكن الهروب منها. أما كردستان، فهي ليست مشروعًا عابرًا مرتبطًا بظرف إقليمي أو معادلة مؤقتة، بل تجربة سياسية نشأت من معاناة تاريخية طويلة، وتستمد استمرارها من وجود شعبها وتمسكه بهويته وحقوقه. قد تمر التجربة الكردية بتحديات وضغوط، لكنها أثبتت قدرتها على الصمود والتكيّف عبر العقود. وإذا كانت الميليشيات ترتبط ببقاء أنظمة وسياسات بعينها، فإن كردستان ترتبط ببقاء الكرد أنفسهم، وما دام الكرد موجودين على أرضهم، فإن تجربتهم ستبقى، وتتجدد، وتتطور، مهما اشتدت العواصف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لبنان.. استمرار الحرب يفاقم أزمة النازحين • فرانس 24


.. الأمم المتحدة.. الإسكوا تكشف عن -آفاق الاقتصاد الكلي في الـم




.. الآلاف من مؤيدي جماعة أنصار الله يتظاهرون تضامنا مع إيران


.. تغطية خاصة | عراقتشي للأمم المتحدة: نعتبر قواعد ومنشآت القوا




.. دوجاريك: الأمين العام للأمم المتحدة يتابع بقلق بالغ التقارير