الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
حامد الضبياني
2026 / 3 / 3قضايا ثقافية
بالأمس لم يمت رجلٌ فحسب، بل انطفأ صوتٌ كان يشبه طبول المعارك حين تضرب في قلب التاريخ، ويشبه بكاء الأمهات حين يختلط الفخر بالفقد. رحل أديب ناصر، الشاعر الفلسطيني الذي اختار أن يكون للعراق كما هو لفلسطين، وأن يجعل من القصيدة بندقيةً أخرى، ومن الكلمة رايةً لا تنكسر. رحل الجسد، وبقيت تلك النبرة التي كانت تهز وجدان العراقيين أيام القادسية الثانية، حين كانت الكلمات تسبق الرصاص، وتمنح الجنود أسماءهم الخالدة.
كان أديب ناصر شاعرًا لا يكتب من مقعد المتفرج، بل من خندق الروح. لم يكن العراق بالنسبة له محطة عابرة في دفتر التضامن العربي، بل كان جرحًا آخر في جسده الفلسطيني، كأن بغداد امتداد لغزة، وكأن الفرات يصبّ في بحر حيفا. في قصائده لم يكن ثمة فرق بين زيتون فلسطين ونخيل البصرة؛ كلاهما ظلٌّ لشمسٍ واحدة، وكلاهما شاهدٌ على أن الأرض لا تخون أبناءها وإن خانها العالم.
ثمانية دواوين تركها خلفه، أبرزها “أبحث عني”، وكأن العنوان كان اعترافًا مبكرًا بأن الشاعر لا يجد نفسه إلا في أوطان الآخرين، في جراحهم، في صراخهم، في انتصاراتهم وانكساراتهم. وكتب مسرحيته الشعرية “زبيبة والملك” مستحضرًا الرمز حين تضيق العبارة المباشرة، وكأنه كان يدرك أن الشعر إذا لم يتحوّل إلى مسرحٍ للحرية، صار حبرًا باردًا لا يشعل شيئًا.
حين كان صوته يصدح: “يا شبل زين القوس سلِّم على القسطل وقل له عدنا، عدنا ولم نرحل”، لم يكن ينشد نشيدًا عابرًا، بل كان يعيد صياغة الذاكرة، ويزرع في الوعي العراقي يقين العودة. كانت أناشيده تتردّد في ساحات المعركة كما تتردّد في البيوت، في المقاهي، في المهرجانات، حتى صار اسمه مقترنًا بلقب “شاعر القادسية”، وهو لقب لم تمنحه سلطة، بل منحته الجماهير التي وجدت في صوته صدىً لقلقها وكبريائها.
في مهرجان المربد، حيث كانت القصيدة العربية تختبر نبضها، كان يتجاور مع قاماتٍ عربية حملت العراق في قلوبها، من أم درمان إلى البصرة، ومن الخرطوم إلى بغداد. هناك، حيث كان الشعراء يتنافسون لا على المدح، بل على مقدار الصدق في الحب، كان العراق يبدو أكبر من حدوده الجغرافية، وأوسع من خرائط السياسة. كان وطنًا شعريًا، تتقاطع عنده مصائر العشاق والثائرين.وإذا ذُكر الشعر، لا يمكن أن يُنسى أولئك الذين جعلوا من الكلمة نارًا مضيئة، من أمثال عبد الرزاق عبد الواحد الذي صرخ: “لا والله والعباس توكع زلم فوق الزلم والبصرة ما تنداس”، فجعل من القسم قصيدة، ومن القصيدة موقفًا. وكذلك سيف الدين الدسوقي الذي رأى في العراق مرآةً لثورات أم درمان، فكان صوته عابرًا للحدود. وحين سألت سعاد الصباح: “لماذا أحب العراق؟” كانت في الحقيقة تسأل سؤال الشعراء جميعًا: لماذا تتسع هذه البلاد لكل هذا الحب، رغم كل هذا النزف؟
لماذا يحب الشعراء العراق؟
لأن العراق ليس مكانًا فحسب، بل حالة وجدانية. لأنه البلاد التي تعادل ألف صلاة، كما قالت سعاد الصباح، ولأن المقام العراقي يدخل القلب من جميع الجهات، فيصير اللحن ذاكرةً، والذاكرة وطنًا. يحبونه لأنه يشبه القصيدة حين تكون صادقة: متعبة، عميقة، ومشبعة بالألم النبيل.أديب ناصر أحب العراق لأنه رأى فيه صورة فلسطين الأخرى؛ رأى فيه الحصار ذاته، والدم ذاته، والعناد ذاته. كان يعرف أن الجرح إذا لم يتحوّل إلى أغنية، سيتحوّل إلى صمت، وأن الصمت موتٌ بطيء. لذلك كتب، وغنّى، وصرخ، حتى صار صوته جزءًا من ذاكرة مرحلة كاملة.
في إحدى شذراته قال:
“ولا أحكي.. وأسمعني
ولا أمشي.. وأتبعني
إذا ما جعت.. أطعمني
إذا ما تهت.. عرّفني
فإن بُعدًا يُغرّبني
سيلحقني
ويحضنني
ويرجعني
إلى وطني
أنا.. وطني.”
كأن الشاعر كان يخاطبنا نحن، لا شخصًا بعينه. كأن الوطن عنده ليس خارطةً، بل علاقة. ليس أرضًا فحسب، بل حضنًا يعود إليه كل من تاه. وحين قال: “نحن موتٌ وقيامة”، كان يختصر فلسفة الشاعر المناضل: أن يموت جسدًا ليحيا فكرة، وأن يختفي صوتًا ليصير صدى.
اليوم، ونحن نودّعه، لا نرثي شاعرًا فقط، بل نرثي زمنًا كانت فيه القصيدة تُعامل ككائن حي، يشارك في المعركة، ويتقدّم الصفوف، ويُصاب كما يُصاب المقاتلون. لكن عزاءنا أن الشعر لا يُدفن. القصائد لا تُكفّن. الأناشيد لا تُوارى الثرى. إنها تبقى، تتردّد في الذاكرة الجمعية، وتنهض كلما احتاج الوطن إلى صوتٍ يشبهه.
وداعًا أديب ناصر…
نم قرير العين في ترابٍ يشبه كلماتك.
فالشعراء لا يموتون، بل يغيّرون مواقعهم في السماء، ليواصلوا الحراسة من هناك.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حرب إيران..أين تقف روسيا والصين؟ | مسائية
.. عاجل | رئيس الأركان الإسرائيلي: ننتقل إلى المرحلة الثانية من
.. عاجل | أمير دولة قطر يزور مركز القيادة الوطني التابع لوزارة
.. ترمب: أريد الانخراط شخصيا في اختيار قائد إيران الجديد
.. الجيش الكويتي: نتعامل حاليا مع هجمات صاروخية وطائرات مسيرة