الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


توجيه دوغين - إنّ إهمال الفلسفة في مجتمعنا بلغ مرحلة حرجة. لا يمكن الإستمرار هكذا!

زياد الزبيدي

2026 / 3 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر



إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف


3 آذار/مارس 2026


وقّع فلاديمير بوتين مرسوماً يقضي بتشكيل لجنة لتطوير الذكاء الإصطناعي، وستعمل هذه اللجنة تحت إشراف رئيس روسيا. غير أنّ مشكلة الذكاء الإصطناعي ليست مشكلة تقنية فحسب، بل هي قبل كل شيء مشكلة فلسفية ومفهومية. فهي تضع موضع التساؤل العقلانية ذاتها، بل القدرة البشرية على التفكير.

وبما أننا ننتمي إلى نوع الإنسان العاقل (Homo sapiens)، فإن هذا يضعنا نحن أنفسنا موضع تساؤل، أي يضع الإنسانية ككل على المحك. ومن ثم، فإنّه — في رأيي — إذا كانت هناك لجنة لتطوير الذكاء الإصطناعي (وقد أُنشئت بالفعل على أعلى مستوى)، فيجب بالضرورة إدخال البعد الفلسفي في عملها.

فما يُسمّى بالذكاء العام الإصطناعي (AGI) أو ما يُعرف بـ«التفرّد التكنولوجي» هو في الحقيقة أفق المستقبل القريب جداً. وهذا يعني إمكانية إستبدال البشرية نفسها بالذكاء الإصطناعي. ولهذا ينبغي التفكير بجدية شديدة في هذه المسألة، ولا يمكن فصل التطويرات التقنية في هذا المجال عن إشكالياته الفلسفية.

إنّ الشخصيات التي ترأست اللجنة الجديدة لتطوير تقنيات الذكاء الإصطناعي — وهما دميتري غريغورينكو وماكسيم أوريشكين — إلى جانب غيرهما من الإداريين التكنوقراط الأكفاء، ليسوا فلاسفة (بإستثناء وزير الدفاع أندريه بيلوسوف). لكنني أرى أنه يجب أن يكون هناك مكوّن فلسفي داخل هذه اللجنة، لأن أي عمل في هذا المجال دون ذلك قد يكون بالغ الخطورة.

لقد أصبح تحويل الذكاء الإصطناعي إلى مجال تنافس إستراتيجي عالي المستوى اليوم لا يقل أهمية عن السلاح النووي — بل ربما يفوقه أهمية.

وبطبيعة الحال، فإن الدولة-الحضارة ذات السيادة، كما تُعرِّف روسيا نفسها، يجب أن تمتلك تطويراتها التكنولوجية السيادية الخاصة في هذا المجال. غير أنّ مسألة الذكاء الإصطناعي السيادي تطرح من جديد إشكاليات حضارية وفلسفية عميقة.

إن موضوع الذكاء الإصطناعي هو في المقام الأول موضوع فلسفي. كما أنّ تكييف الذكاء الإصطناعي مع الدولة-الحضارة ذات السيادة — أي مع روسيا — يتطلب جهداً فلسفياً إضافياً. لكننا في كثير من الأحيان نهمل الفكر إهمالاً مرضياً. وعندما نندفع نحو حلول تقنية بحتة، فإننا غالباً ما نتأخر حتى على المستوى التقني، لأن التكنولوجيا تتغذّى من العلم، والعلم يتغذّى من الفلسفة.

وأؤكد أن الفكر، والرؤية النظرية، والإجابة عن الأسئلة الأكثر حدة — وهي أسئلة فلسفية بالدرجة الأولى — هي ما يلهم العلم ويدفعه إلى التقدم، والعلم بدوره يحدد الحلول التقنية. فلا يمكننا إستبدال الفلسفة بالعلم، ولا العلم بالتكنولوجيا. ويجب أن تُبنى هذه الهرمية الصحيحة على جميع مستويات الإدارة الحكومية، وخاصة في قضايا ذات طبيعة فلسفية خالصة مثل مسألة «العقل».

فكيف يمكن الحديث عن الذكاء — سواء أكان إصطناعياً أم طبيعياً — إذا كان «التفكير في التفكير» نفسه هو جوهر الفلسفة؟ لقد عرّف أرسطو الفلسفة تحديداً بهذا المعنى: "إنها التفكير في كيفية تفكيرنا". ومن هنا فإن البعد الفلسفي ضروري بلا شك. لكن هذا البعد يكاد يكون غائباً اليوم عن مجتمعنا. ففي نظامنا الإجتماعي والتكنولوجي والإداري، يكاد يغيب البعد الفلسفي، وهذا أمر مؤسف للغاية.

ومع ذلك، فإن أليكسي تشاداييف يطرح اليوم عدداً من المشاريع الفلسفية الذكية والمهمة في مجالات اللوجستيات، بما في ذلك التجارة. وهذا يثبت أن الفلسفة يمكن أن تكون مفيدة حتى هناك. فكيف الحال في المجالات ذات الطابع الفلسفي أصلاً — مثل الرؤى العالمية، والجغرافيا السياسية، والحضارة، والسيادة في أسسها العميقة، وإستراتيجيات المستقبل، وبالطبع التقنيات المتقدمة والذكاء الإصطناعي؟

لكن يبدو لي أن إهمال الفلسفة في مجتمعنا قد بلغ اليوم مرحلة حرجة. ولا يمكن الإستمرار على هذا النحو. فلا شيء يعمل في هذا الإتجاه، لأن كثيرين يظنون أن الفلسفة أمر غير ضروري. بينما الحقيقة أنها الشيء الوحيد الذي نحتاج إليه حقاً الآن — وليس نحن وحدنا، بل العالم بأسره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاحتلال الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على الضاحية بلا أي تحذير


.. هل يملك الرئيس ترمب أجوبة للشارع الأمريكي بشأن سياسة البلاد




.. من استهدف قبرص وتركيا وأذربيجان ومنشآت مدنية ونفطية في الخلي


.. ليلة طويلة عاشها أهالي طهران.. التفاصيل مع مراسل الجزيرة




.. الجيش الإسرائيلي: نفذنا 26 موجة من الهجمات في الضاحية الجنوب