الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع الربط القاري أدوار إيران وتركيا ومصر والسعودية؟-
هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي
(Hani Alroussen)
2026 / 3 / 3
مواضيع وابحاث سياسية
محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف
تتجاوز زيارة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إلى تل أبيب حدود التحالف الثنائي بين اسرائيل والهند لتقوم كحجر زاوية في مشروع "إعادة هندسة الشرق الأوسط من جديد"، فما يجري اليوم ليس مجرد تفاهمات ثنائية الابعاد والتداعيات، بل هو محاولة لاعادة صياغة لواقع جيوسياسي جديد تخرج فيه إسرائيل من عزلتها الجغرافية لتصبح "العصب المركزي" لشبكات التجارة والطاقة العالمية، مدفوعة برؤية أمريكية تسعى لخلخلة موازين القوى التقليدية (إيران، تركيا، مصر، والسعودية) واستبدالها بنظام "الاعتماد المتبادل" الذي تقوده إسرائيل.
فمن بين اهداف زيارة رئيس الوزراء الهندي لاسرائيل كان الاسراع في تجسيد بناء "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC)، وهو المسار الذي يربط موانئ الهند بميناء حيفا عبر السكك الحديدية في الإمارات والأردن، وهذا المشروع لا يجري التفكير به كمجرد وسيلة لنقل البضائع، بل هو عملية "تثقيب" للجغرافيا السياسية التي يسيطر عليها ما يعرف بـ "المحور الشيعي". فمن خلال خلق مسار بري-بحري يتجاوز مضيق هرمز والمياه الإقليمية الإيرانية، يتم سحب البساط الاقتصادي من تحت أقدام طهران، وتحويل التدفقات المالية نحو شبكة تقودها إسرائيل والخليج. إن إضعاف النفوذ الإيراني هنا لا يأتي عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل عبر جعل الجغرافيا الإيرانية "غير ذات صلة" في سلسلة التوريد العالمية، مما يؤدي بالضرورة إلى تآكل القدرة الاستراتيجية للإسلام السياسي الشيعي في المنطقة.
وعلى الجانب الآخر، يبرز مشروع غاز شرق المتوسط كأداة لتحجيم الدور التركي وطموحات "الإسلام السني" السياسي التي تمثلها أنقرة. فمن خلال منتدى غاز شرق المتوسط والتحالف الاستراتيجي مع اليونان وقبرص، تضع إسرائيل يدها على مفاتيح أمن الطاقة الأوروبي. إن مد خطوط الأنابيب أو كابلات الربط الكهربائي (مثل مشروع EuroAsia Interconnector) من حقول الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، يهدف مباشرة إلى عزل تركيا جغرافياً وحرمانها من دور "الممر الإجباري" للطاقة، وهذا التحالف لا يسلب تركيا مكاسب اقتصادية فحسب، بل يضع حداً لمناوراتها في البحر المتوسط، ويجعل استقرار تل أبيب مصلحة قومية عليا لدول الاتحاد الأوروبي التي ستبحث عن بديل للغاز الروسي والتركي في الحقول الإسرائيلية.
أما المحور الثالث، فيمتد جنوباً نحو البحر الأحمر، حيث تعمل إسرائيل على بناء شبكة نفوذ في القرن الأفريقي عبر شراكات تقنية وأمنية مع إثيوبيا وصومالي لاند، وهذا التحرك يهدف بوضوح إلى كسر "الاحتكار العربي" للبحر الأحمر، وتحجيم الدور الريادي لكل من مصر والسعودية. فمن خلال إيجاد موطئ قدم أمني ولوجستي قرب باب المندب، تضمن إسرائيل عدم تحول البحر الأحمر إلى "بحيرة عربية" خالصة يمكن استخدامها كأداة ضغط ضدها في الأزمات. إن تقوية أطراف غير عربية في القرن الأفريقي هو بمثابة كماشة جيوسياسية تضعف سيادة القوى العربية الكبرى على هذا الشريان الملاحي، وتجعل أمن الملاحة الإسرائيلية مرتبطاً بترتيبات إقليمية تتجاوز الإرادة المصرية أو السعودية.
وهنا يتخلق امامنا المعنى الجوهري لمفهوم "إسرائيل الكبرى" في القرن الحادي والعشرين بعيداً عن كليشيهات الخرائط التوراتية أو التوسع العسكري الكلاسيكي- دون ان نستبعد ذلك تماما مستقبلا- فنحن أمام "إمبراطورية وظيفية" لا تنوي استهلاك طاقتها الان في احتلال الأرض وإدارة شؤون ملايين السكان الرافضين لها، بل تستثمرها في "احتلال العقد الحيوية في الاقتصاد الدولي". فاسرائيل تدرك إن مفهوم القوة في هذا العصر لم تعد تُقاس بمساحة الكيلومترات المربعة، بل بالقدرة على التحكم في "المسارب" الحيوية؛ أي أن تصبح تل أبيب هي "المحوّل الرئيسي" (Main Hub) لتدفقات الغاز، والبيانات الرقمية عبر الألياف البصرية، والطاقة الكهربائية، وسلاسل الإمداد، وفي هذا النموذج، لن تكون إسرائيل في عجلة من امرها لتغيير حدودها، بل لتحويل إقليمها إلى "بوابة إلزامية" لا يمكن لآسيا الوصول إلى أوروبا دون المرور عبرها، مما يمنحها حصانة سياسية تتجاوز بكثير ما توفره لها الترسانة العسكرية.
إن زيارة ناريندرا مودي، وما تحمله من زخم مشروع "الممر الهندي"، تمثل إعلاناً صريحاً عن انتقال مركز الثقل من العواصم التاريخية الكبرى (القاهرة، بغداد، دمشق) إلى "عقدة" لوجستية وتقنية جديدة. وهذا التحول ليس مجرد ترتيبات تجارية، بل هو "سلاح صامت" لسلب المزايا الجغرافية من القوى الإقليمية المنافسة؛ فبينما يغرق الخصوم في استنزاف قواهم داخل صراعات حدودية أو أيديولوجية تقليدية، تكون إسرائيل قد أتمت بناء "جدار جيوسياسي" غير مرئي، يتكون من أنابيب الغاز وسكك الحديد واتفاقيات الأمن السيبراني. هذا البناء الشبكي يجعل من وجود إسرائيل جزءاً عضوياً في البنية التحتية للعالم، بحيث لا يصبح المساس بها مجرد قرار سياسي، بل مغامرة تؤدي إلى شلل في منظومة الاقتصاد العالمي، مما يحول "الدفاع عن إسرائيل" من خيار أخلاقي أو سياسي غربي إلى ضرورة تقنية لاستمرار تدفق الحياة في العروق الاقتصادية الدولية.
هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل تنجح الجهود الفرنسية في احتواء التصعيد الإسرائيلي في جنوب
.. هل حسمت أميركا السيادة الجوية والبحرية ضد إيران؟ تحليل عسكري
.. ترامب يحدد مستقبل القيادة في إيران.. ما مصير نجل خامنئي؟
.. شاهد | لحظة اعتراض رشقة صواريخ باليستية فوق تل أبيب
.. غارات إسرائيلية على بلدات جنوب لبنان.. التفاصيل مع مراسل الج