الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
إخضاع الجغرافيا للقوة القاهرة بين العراق والكويت لا يجعل التاريخ جبانا
كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن
(Karam Nama)
2026 / 3 / 3
مواضيع وابحاث سياسية
ما يحدث اليوم بين العراق والكويت يعيد فتح جرحٍ لم يلتئم، ويخضع الجغرافيا مرة أخرى لقوة قاهرة لا علاقة لها بالحدود ولا بالخرائط، بل بذاكرة لم تُصفَّ بعد. فالعلاقة بين البلدين تُدار وفق قاعدة متجر الأواني الخزفية: من يكسر شيئاً يتحمّل مسؤوليته. لكن المشكلة أن الجميع يتصرّف كما لو أن الكسر بدأ أمس، لا قبل ستة وثلاثين عاماً. التاريخ ليس جباناً، لكنه كثيراً ما يُختطف من قبل الأقوياء، ويُعاد تشكيله بما يناسب لحظتهم السياسية.
في الثاني من أغسطس 1990، حدث ما يشبه المفارقة القاسية: بدأت الحرب ولم يحضر أحد. دخلت القوات العراقية الكويت، ولم تجد أمامها دولة تقاتل، بل فراغاً سياسياً وأمنياً مكّن من تحويل الاحتلال إلى صدمة كاملة. تلك اللحظة، التي يفضّل البعض اليوم اختصارها في جملة واحدة: “صدام حسين أخطأ”، كانت في حقيقتها بداية سلسلة من الأخطاء المتبادلة، بعضها ارتكبه النظام في العراق، وبعضها الآخر ارتكبته دولة صغيرة وجدت نفسها فجأة تمتلك قوة القانون الدولي كاملة، وتستخدمها بلا تردد ضد شعبٍ لم يكن طرفاً في قرار الاحتلال.
في جوهر المسألة، إخضاع الجغرافيا بين العراق والكويت للقوة السياسية القاهرة لا يجعل التاريخ جباناً، بل يفضح جبن من يحاول استخدامه كستار قانوني لإخفاء اختلال ميزان القوة. فكل ما فُرض على العراق بعد 1990، من خرائط وحدود وتعويضات وقرارات أممية، لم يكن نتاج تفاوض حر وعادل بين دولتين متكافئتين، بل نتيجة سطوة الولايات المتحدة على مجلس الأمن، وتحويل الكويت إلى نموذج لـ“الضحية المحمية” التي يُسمح لها بالحصول على أقصى ما يمكن انتزاعه من جارٍ منكسر. التاريخ هنا لا يتواطأ، بل يُختطف؛ لا يصمت، بل يُكمَّم. وما نراه اليوم من انفجار غضب عراقي كلما لامست الكويت حدود البحر أو اليابسة، هو تذكير بأن الجغرافيا التي تُرسم تحت فوهة البندقية تبقى مؤقتة مهما طال عمرها، وأن الذاكرة التي تُجَوَّع وتُهان لا تعترف بشرعية الخرائط التي وُلدت في لحظة إذلال. القوة تستطيع أن تفرض حدوداً، لكنها لا تستطيع أن تمنحها معنى أخلاقياً، ولا أن تقنع شعباً كاملاً بأن ما سُرق منه باسم القانون الدولي قدرٌ لا يُراجع ولا يُمس.
الكويت استردّت بلدها بقوة مجلس الأمن، لكن العراق لم يستردّ نفسه بعد. فالعقاب الذي فُرض على العراقيين لم يكن عقاباً لنظام، بل لشعبٍ حُشر ثلاثة عشر عاماً في حصار تجويعي ذهب ضحيته مليون طفل وفق تقارير الأمم المتحدة. لذلك، حين يتصاعد اليوم الجدل حول خرائط بحرية أودعتها بغداد لدى الأمم المتحدة، لا يتعامل العراقيون مع الأمر كخلاف حدودي، بل كاستدعاء لسنوات الإذلال التي تلت الغزو، وكأن الكويت لم تكتفِ باستعادة جغرافيتها، بل أرادت أيضاً إعادة تشكيل ذاكرة العراق وحدوده ومياهه بما يناسب لحظة انتصارها.
استدعاء الكويت للقائم بالأعمال العراقي وتسليمه مذكرة احتجاج على “ادعاءات تمس السيادة البحرية” لم يكن خطوة دبلوماسية باردة. كان إعلاناً بأن الكويت ما زالت تتصرف من موقع المنتصر الذي يملك حق تعريف الجغرافيا، بينما العراق ما زال يُعامل كدولة تحت الاختبار، حتى وهو يودع خرائطه وفق قانون البحار. المفارقة أن الكويت نفسها أودعت خرائطها عام 2014 دون التشاور مع بغداد، لكن حين يفعل العراق الأمر ذاته يصبح “مساساً بالسيادة”.
الغضب الشعبي العراقي اليوم لا علاقة له بثقة بالحكومة، فالعراقيون لا يثقون بحكوماتهم منذ 2003، ولا يرون فيها مشروعاً وطنياً أو قدرة على حماية السيادة. يكفي أن نتذكر اعتراف نوري المالكي بأن وزيراً في حكومته باع تسجيل اجتماع وزاري للكويت، أو فضائح الرشى التي تلقاها مسؤولون عراقيون أثناء توقيع اتفاقيات تتعلق بميناء مبارك الكبير. لذلك، حين يخرج العراقيون محتجين، فهم لا يدافعون عن حكومة، بل عن ذاكرة. ذاكرة تقول إن الكويت لم تكتفِ باستعادة ما سُلب منها، بل حصلت أيضاً على ما لم يكن لها، مستندة إلى لحظة سياسية لن تدوم إلى الأبد.
يمكن القول إن أكثر ما يفضح هشاشة النظام السياسي في العراق اليوم، هو هذا التحوّل الفجائي في موقفه من الرموز الصوتية لزمن صدام حسين. فالأناشيد التي كُتبت ولُحّنت في زمن النظام السابق، كانت حتى الأمس القريب تُعدّ قرينة إدانة على “البعثية” والولاء للنظام السابق، يكفي أن يهمس بها أحد في مقهى أو ملعب كرة ليُتهم بالحنين إلى الدكتاتورية. اليوم، تُستعاد الأناشيد نفسها في الفضاء العام، وتُستخدم كخلفية غضب ضد الكويت، من دون أن تجرؤ الحكومة على تجريمها أو حتى التبرؤ منها. هذا ليس مجرد انفلات عاطفي، بل دليل على أن السلطة في بغداد لا تمتلك سرديتها الخاصة عن العلاقة مع الكويت، فتضطر إلى استئجار سردية النظام الذي أسقطته الولايات المتحدة بدعم مالي ولوجستي كويتي.
هذا الاستخدام الانتقائي للذاكرة الصوتية لصدام حسين يكشف أن الصراع لم يعد فقط على الجغرافيا، بل على من يملك حق تعريف التاريخ. فحين تُسمح الأناشيد القديمة بالعودة إلى الواجهة، لا بوصفها مادة إدانة، بل كأداة احتجاج “مشروعة”، فإن الرسالة الضمنية للعراقيين هي أن ما قيل في زمن احتلال الكويت والحرب مع إيران لم يمت تماماً، بل جُمّد إلى أن تحين لحظة استدعائه.
التاريخ هنا ليس مجرد سرد، بل أداة قوة. فكلما اقتربت ذكرى الثاني من أغسطس 1990، يعود الجدل، وتعود معه محاولات دفن الأسئلة الحقيقية: من دفع العراق إلى الحرب؟ من صاغ خرائط ما بعد 1991؟ ولماذا تُركت ملفات الحدود البحرية معلّقة؟ ولماذا يُطلب من العراقيين وحدهم دفع ثمن خطأ ارتكبه نظام لم يعد موجوداً؟
التاريخ لا يصمت لأنه جبان، بل لأن من يدوّنونه اليوم في العراق والكويت يعيشون داخل أنظمة سياسية لا تريد فتح ملفات قد تُربك تحالفاتها أو تُضعف شرعيتها.
الكويت، رغم استعادتها بلدها وتعويضها عن كل حجر سقط، ما زالت تعيش تحت ظلّ الصدمة. صدام حسين مات، وعبدالكريم قاسم مات، لكن الخوف من تكرار الماضي لم يمت. ولهذا تبقى الجغرافيا الكويتية كنزاً محمياً بالقانون الدولي، لكنه كنز بلا مصالحة حقيقية مع التاريخ.
إيداع العراق خرائطه البحرية اليوم لم يفتح نزاعاً جديداً، بل كشف هشاشة التسويات القديمة. كشف أن القوة الدولية تستطيع أن تفرض حدوداً، لكنها لا تستطيع أن تفرض ثقة. وأن الجغرافيا حين تُخضع بالقوة، تبقى معلّقة في الهواء، تنتظر لحظة اهتزاز صغيرة لتسقط كل اليقينيات.
يبقى السؤال الذي يهرب منه الجميع: هل منح جورج بوش الأب الكويت ثقة دائمة بمستقبلها، أم منحها فقط انتصاراً مؤقتاً؟ تغيير اسم شارع بغداد إلى شارع بوش كان إعلان امتنان، لكنه لم يكن إعلان طمأنينة. الجدل الشعبي المتصاعد اليوم، لا السياسي، يكشف أن الثقة لم تُبنَ بعد، وأن الجغرافيا مهما حُميت بالقانون الدولي الذي يفرض على المهزوم قسرا تبقى قلقة إذا لم تُصالح التاريخ.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الاحتلال الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على الضاحية بلا أي تحذير
.. هل يملك الرئيس ترمب أجوبة للشارع الأمريكي بشأن سياسة البلاد
.. من استهدف قبرص وتركيا وأذربيجان ومنشآت مدنية ونفطية في الخلي
.. ليلة طويلة عاشها أهالي طهران.. التفاصيل مع مراسل الجزيرة
.. الجيش الإسرائيلي: نفذنا 26 موجة من الهجمات في الضاحية الجنوب