الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
10. الثورة كمطلب وجودي: حين يصبح التمرد شرطاً للبقاء الاجتماعي
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
2026 / 3 / 3
مواضيع وابحاث سياسية
حين خرج الشباب العربي إلى الساحات بين 2010 و2011، لم يكن مطلبهم محصورًا في زيادة أجور أو تعديلات دستورية شكلية، بل كانوا يخوضون صراعًا يمس جوهر وجودهم الاجتماعي. لم تكن القضية تحسين شروط الحياة داخل الإطار القائم، وإنما إنقاذ إمكانية الحياة نفسها من التآكل والانهيار. هكذا اكتسبت الانتفاضات العربية طابعها الخاص: إذ تداخل الاقتصادي بالسياسي ليتحول إلى مطلب وجودي شامل، بعدما عجز النظام الريعي عن تأمين الحد الأدنى من شروط البقاء الاجتماعي لغالبية السكان.
الوجود الاجتماعي في المجتمعات العربية الريعية بات هشًا ومعلقًا على احتمالات ضيقة. فالبطالة البنيوية أقصت ملايين الشباب من دورة الإنتاج، فصاروا فائضًا بشريًا من منظور النظام. وأزمة السكن جعلت تأسيس حياة مستقلة أمرًا شبه مستحيل، فامتدت الطفولة الاجتماعية قسرًا. أما تدهور التعليم والصحة والنقل، فقد حول الحياة اليومية إلى عبء دائم، فيما بدا المستقبل غامضًا ومثقلًا بالتهديد بدل أن يكون أفقًا للأمل. في مثل هذه الشروط، يغدو التمرد ضرورة وجودية لا خيارًا فكريًا: إما مقاومة الموت البطيء، أو الاستسلام له.
هذا الطابع الوجودي هو ما منح الثورات العربية قوتها الانفجارية، وهو ما بث الذعر في النخب الحاكمة وحلفائها الدوليين. فعندما يرتقي الشعار من مطلب جزئي إلى مطلب "عيش وحرية وكرامة إنسانية"، يصبح التحدي موجهًا إلى بنية النظام ذاتها. عند تلك اللحظة، لا تعود الإصلاحات التدريجية كافية، ولا التسويات المرحلية مجدية؛ إذ يتكشف المعنى الجذري للثورة بوصفها لحظة انهيار الشرعية القائمة وفتح أفق لإعادة التأسيس.
الكرامة الإنسانية، التي تصدرت الهتافات في الميادين، لم تكن شعارًا أخلاقيًا مجردًا، بل تعبيرًا ماديًا عن مطلب ملموس. الكرامة تعني ألا يُهان الإنسان في طوابير الخبز، وألا يخضع لتعسف إداري أو أمني، وألا يُجرد من حقه في الأمان والعمل والمسكن. في الشعار الثلاثي "عيش، حرية، كرامة إنسانية" تتكثف علاقة جدلية واضحة: لا عيش بلا حرية، ولا حرية بلا كرامة، ولا كرامة بلا شروط مادية تضمن العيش الكريم. هذا الترابط هو الذي يصنع الوعي الثوري حين يتجاوز التجزئة ويعيد وصل المطالب ببنيتها الاجتماعية.
لقد أدركت الجماهير، بحدسها المرتبط بتجربتها اليومية، ما عجزت قطاعات من النخب عن بلورته نظريًا: أن النظام الريعي غير قابل للإصلاح لأنه قائم على تكريس التبعية وإعادة توزيع الثروة لصالح أقلية ضيقة. وكل حديث عن "انتقال ديمقراطي" منفصل عن تفكيك هذا الأساس الاقتصادي لا يعدو أن يكون إعادة ترتيب للواجهة السياسية. هذا الإدراك لم يولد في قاعات الجامعات، بل في الاحتكاك المباشر مع البيروقراطية والقمع وغلاء المعيشة، أي في صميم التجربة الاجتماعية الحية.
غير أن هذا الوعي الوجودي، على الرغم من قوته، ظل محدودًا بغياب اكتماله التنظيمي. عرفت الجماهير ما ترفضه، لكنها لم تصغ بعد تصورًا متكاملًا لما تريد أن تبنيه. شعار "إسقاط النظام" عبّر عن لحظة نفي شاملة، لكنه لم يترافق دومًا مع تصور تفصيلي للنظام البديل. والعدالة الاجتماعية بقيت مطلبًا عامًا لم يتحول في كل السياقات إلى سياسات محددة وآليات واضحة. هذه الفجوة بين وعي الرفض ووعي البناء فتحت المجال لقوى الثورة المضادة كي تعيد إنتاج الهيمنة بأشكال محدثة.
الوجود الإنساني، كما أوضح كارل ماركس، يتحدد بشروطه الاجتماعية وبعلاقات الإنتاج التي يعيش في إطارها. وعندما تعجز هذه العلاقات عن استيعاب الأغلبية، فإنها تولد تناقضاتها الداخلية. لكن التمرد الذي ينشأ عن هذا التناقض لا يتحول تلقائيًا إلى نظام جديد؛ إذ يتطلب الأمر مشروعًا بديلًا يعيد تنظيم العمل المنتج، ويوجه الثروة نحو تلبية الحاجات الاجتماعية، ويؤسس لمؤسسات ديمقراطية تشاركية تُمكّن الناس من تقرير مصيرهم.
من هنا تبرز المهمة التاريخية للحركات الثورية في العالم العربي: الانتقال من لحظة الرفض إلى لحظة التأسيس. إنها مهمة مزدوجة، نظرية وعملية في آن، تتطلب بلورة رؤية واضحة للبديل وبناء أدوات تنظيمية قادرة على تجسيده. وقد كتب باولو فريري في "تربية المحرومين": "التمرد مرحلة ضرورية لكنها غير كافية"، مشيرًا إلى أن الوعي النقدي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى ممارسة تغييرية منظمة. لقد أنتجت الانتفاضات العربية وعي التنديد بقوة، ويبقى التحدي في تحويله إلى وعي بناء يرسخ أسس وجود اجتماعي جديد.
النضال مستمر،،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الاحتلال الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على الضاحية بلا أي تحذير
.. هل يملك الرئيس ترمب أجوبة للشارع الأمريكي بشأن سياسة البلاد
.. من استهدف قبرص وتركيا وأذربيجان ومنشآت مدنية ونفطية في الخلي
.. ليلة طويلة عاشها أهالي طهران.. التفاصيل مع مراسل الجزيرة
.. الجيش الإسرائيلي: نفذنا 26 موجة من الهجمات في الضاحية الجنوب