الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران : اعادة رسم قواعد المعركة في الإقليم

البشير عبيد

2026 / 3 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


العدوان الأمريكي‑الصهيوني على إيران: إعادة رسم قواعد المعركة في الإقليم

* البشير عبيد

على امتداد الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الكبرى مع الصواريخ، وتتحوّل السماء إلى مسرح رسائل سياسية وعسكرية مشفّرة، تتكشف اليوم أبعاد العدوان الإمبريالي الأمريكي / الصهيوني على إيران. المواجهة الحالية ليست مجرد صراع محدود على حدود أو جغرافيا، بل هي لحظة فاصلة لإعادة رسم موازين القوة في الإقليم، واختبار قدرة الأطراف على فرض شروطها دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تغيّر وجه المنطقة لسنوات طويلة. كل ضربة، وكل مناورة، تحمل رسالة مزدوجة: تهديد وإرهاب معنوي، وتأكيد على قدرة التحكّم بالزمن والمساحة السياسية والعسكرية، في سياق يحاول القيم السياسية والأمنية في المنطقة فرض منطق الهيمنة الجديد.
إن ما يحدث اليوم ليس حربًا تقليدية، بل هو حرب إرادات، حرب رسائل، وحرب استراتيجية متعددة المستويات. كل مناورة بحرية أو جوية، كل هجوم صاروخي محدود، وكل بيان سياسي يُقرأ ضمن سياق الهيمنة والإخضاع. العدوان الأمريكي/الصهيوني لا يهدف فقط إلى ضرب إيران، بل إلى إظهار منطق السيطرة وإعادة فرض قواعد القوة الإقليمية، مستخدمًا الضغط العسكري المباشر، العقوبات الاقتصادية الموجعة، التحركات الاستخباراتية الدقيقة، والتسريبات الإعلامية المنظمة. الهدف ليس الانتصار الفوري، بل خلق حالة مستمرة من الضغط النفسي والسياسي، تدفع إيران إلى إعادة حساباتها بشكل دائم، وتعيد رسم خرائط النفوذ لصالح واشنطن وحليفها الاستراتيجي الإسرائيلي.
الولايات المتحدة، بمشروعها الإمبريالي الطويل، لا تعمل بعفوية في هذه المواجهة، بل تتصرف وفق حسابات معقدة تجمع بين القوة العسكرية، التفوق الاستخباراتي، والقدرة الاقتصادية. الكيان الصهيوني الغاصب الفاشي، كشريك استراتيجي، ينفذ الخطط الأمريكية بدقة تكتيكية عالية، مستفيدًا من التفوق التقني والاستخباري، ليكون واجهة العدوان المباشر، يوجّه الضربات، ويعلن الرسائل القاسية، بينما تبقى واشنطن خلف الستار، تراقب، تحسب، وتحدد خطوط الردع، للحفاظ على التفوق الاستراتيجي وضمان استمرار الهيمنة على الإقليم.
إيران، من جانبها، ليست طرفًا ضعيفًا أو متلقٍ للعدوان، بل فاعل استراتيجي صبور، يبني موازنات الردع على مدار سنوات من التجربة والصراع مع القوى الكبرى. الردود الإيرانية ليست انفعالية، بل مبنية على منطق ردع متوازن ومدروس. الصواريخ الدقيقة، القدرات البحرية، المناورات السيبرانية، الدبلوماسية الإقليمية، وحتى التأثير على حلفاء الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الغاصب الفاشي في المنطقة، كلها أدوات لإظهار القدرة على الردّ بشكل يفرض تكلفة باهظة على أي اعتداء. هدف إيران ليس الانتصار السريع، بل صناعة معادلة ردع متكافئة تثبت احترام إيران لحدودها واستقلال قرارها الاستراتيجي، مع إرسال رسائل سياسية واضحة إلى كل الأطراف الدولية والإقليمية بأن أي خطأ في الحسابات سيكلف الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الكثير.
وسط هذا الصراع، تبرز غزة كنموذج مأساوي واضح لتداعيات العدوان . الصراع بين الولايات المتحدة/الكيان الصهيوني الغاصب الفاشي وإيران لا يقتصر على الحدود، بل يمتد تأثيره إلى كل رقعة من رقع الإقليم، ويجعل المدنيين ضحايا لحسابات القوى الكبرى. غزة، بسكانها وصمودها، تختبر أمام منطق القوة والهيمنة، حيث يتحول القصف والضغط السياسي إلى جزء من لعبة استراتيجية أكبر، تجعل المدنيين فاعلين غير مختارين ضمن معادلات الصراع الإقليمي. وكل مناورة في السماء، وكل تهديد على الأرض، يعكس حجم التحديات الإنسانية التي تفرض نفسها على الخطاب الدولي، ويجعل المعركة أكثر تعقيدًا، بحيث لا يمكن فصله عن السياسة، الاقتصاد، والردع العسكري.
السياسة الأمريكية في هذه المرحلة تتسم بالذكاء البارد: لا تندفع واشنطن نحو مواجهة شاملة، لكنها تحافظ على ضغط مستمر على إيران، عبر الكيان الصهيوني الغاصب ، الذي يقوم بدور المكلف بفرض الرسائل المباشرة والصادمة. الهدف هو خلق حالة من عدم الاستقرار المحسوبة، بحيث تبقى إيران منشغلة بالدفاع عن مصالحها، لكنها مقيدة ضمن شبكة من الضغوط المتعددة، الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. هذه السياسة تعكس استراتيجية أكبر، قائمة على إدارة الصراع وليس إشعاله بالكامل، للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في الإقليم وقطع الطريق أمام أي ظهور لإيران كقوة إقليمية مستقلة خارج النفوذ الأمريكي.
إيران، من جانبها، توظف أساليب متعددة لفرض الردع: تصعيد رمزي في الوقت المناسب، ضربات محدودة دقيقة، استخدام حلفائها لإرسال رسائل ردع إضافية، وممارسة دبلوماسية نشطة لكسر العزلة الاقتصادية. الهدف ليس الانتقام السريع، بل التأكيد على أن أي عدوان مستقبلي سيكون باهظ الثمن، وأن الردع لا يعتمد على التفوق التكنولوجي فقط، بل على القدرة على فرض تكلفة شاملة لكل تحرك أمريكي/صهيوني محتمل.
اليوم، الإقليم بأسره يقف أمام خيارات محورية: تثبيت قواعد اشتباك جديدة تجعل الرد المتبادل جزءًا من المعادلة اليومية، تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة لا يستطيع أحد التنبؤ بمدى تداعياتها، أو تهدئة مؤقتة تعيد الأطراف إلى مربع السيطرة، مع إبقاء إيران على أهبة الاستعداد، والكيان الصهيوني الغاصب الفاشي والولايات المتحدة في حالة ترقب دائم. اللعبة مستمرة على حافة الانفجار، حيث يحافظ العدوان الإمبريالي الأمريكي/الصهيوني على الضغط المستمر، بينما إيران تصنع الردع وتثبت قواعد المعادلة.
وفي قلب هذه الدوامة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيتعلم الإقليم فن البقاء على الحافة، أم أن شرارة واحدة كفيلة بإسقاط الجميع في هاوية لا يُعرف مداها؟ هنا، يختبر الكيان الصهيوني الغاصب الفاشي حدود تفوقه، وتختبر إيران حدود قدرتها على الرد، وتختبر الولايات المتحدة حدود نفوذها في الإقليم، في لحظة تاريخية دقيقة، حيث كل خطوة محسوبة، وكل رسالة مُرسلة بعناية، وكل صراع محتمل يعيد رسم قواعد اللعبة برمتها.

* كاتب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي / الصهيوني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تنجح الجهود الفرنسية في احتواء التصعيد الإسرائيلي في جنوب


.. هل حسمت أميركا السيادة الجوية والبحرية ضد إيران؟ تحليل عسكري




.. ترامب يحدد مستقبل القيادة في إيران.. ما مصير نجل خامنئي؟


.. شاهد | لحظة اعتراض رشقة صواريخ باليستية فوق تل أبيب




.. غارات إسرائيلية على بلدات جنوب لبنان.. التفاصيل مع مراسل الج