الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الحرب على إيران: مخاض شرق أوسط جديد
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2026 / 3 / 4
السياسة والعلاقات الدولية
هناك حروب تبدأ بطلقة، وهناك حروب تبدأ بتحولٍ في ميزان التاريخ. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط أقرب إلى النوع الثاني. فالضربات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025 لم تكن مجرد عملية عسكرية محدودة كما بدت في أيامها الأولى، بل كانت في الحقيقة الشرارة الأولى لمسار تصعيدي انتهى، بعد أشهر قليلة، إلى حرب مفتوحة في أواخر فبراير 2026. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال في المنطقة: من قصف من؟ بل أصبح السؤال الأكبر: أي شرق أوسط سيخرج من هذه الحرب؟
العمليات العسكرية الجارية اليوم تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي لا تركز فقط على ضرب مواقع محددة، بل على تفكيك منظومة كاملة: مراكز القيادة والسيطرة، منظومات الدفاع الجوي، والبنية الصاروخية التي بنتها إيران خلال عقود لتثبيت حضورها الإقليمي. لذلك لا ينظر كثير من المراقبين إلى هذه الحرب كجولة عسكرية عابرة، بل كمواجهة تمس جوهر النظام الإيراني وقدرته على التأثير في محيطه. بعبارة أخرى، نحن أمام صراع قد يعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة بأكملها.
إذا أردنا أن نبحث عن المكان الذي سيشعر بالارتدادات الأولى لهذه الحرب، فلن نحتاج إلى كثير من الجهد. الخليج العربي يقف في قلب العاصفة. جغرافياً هو الأقرب إلى إيران، واقتصادياً هو شريان الطاقة الذي يتنفس منه العالم. ولهذا السبب تبدو المنطقة اليوم وكأنها تتحول تدريجياً إلى ساحة إعادة تنظيم أمني غير مسبوقة.
عسكرياً، تشير كل المؤشرات إلى أن مرحلة جديدة من الدفاع الإقليمي تتشكل هناك. لم تعد فكرة الدفاع الوطني المنفرد كافية في زمن الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة. لذلك تتجه المنطقة، على الأرجح، نحو إنشاء مظلة دفاعية مشتركة تربط دول الخليج بالولايات المتحدة وإسرائيل في منظومة إنذار واعتراض واحدة. ومع استمرار التوتر في مضيق هرمز، يتوقع أن يصبح الوجود البحري العسكري دائماً وأكثر كثافة، وربما نشهد نظام مرافقة مسلحة لناقلات النفط شبيهاً بما حدث في حروب الخليج السابقة، ولكن هذه المرة بصورة أكثر تنظيماً وتكنولوجيا.
وإذا استمرت الضربات الإيرانية التي تستهدف منشآت مدنية أو اقتصادية في الخليج، فإن بعض الدول قد تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال من موقع الدفاع الحذر إلى المشاركة الفعلية في إضعاف القدرات الهجومية الإيرانية. عندها لن يكون الخليج مجرد ساحة ردع، بل طرفاً مباشراً في معادلة القوة الجديدة.
سياسياً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. التفاهمات الإقليمية التي بدأت عام 2023، والتي حاولت تخفيف التوتر بين طهران وبعض العواصم الخليجية، تبدو اليوم وكأنها تنهار تحت ضغط الصراع. فالهجمات الأخيرة أظهرت هشاشة تلك الترتيبات أمام الحسابات الاستراتيجية الكبرى للنظام الإيراني. وفي المقابل، يبدو أن اتفاقيات إبراهيم تتجه إلى التحول من إطار دبلوماسي إلى منظومة أمنية حقيقية. ومع مرور الوقت، قد تصبح إسرائيل جزءاً طبيعياً من البنية الأمنية للخليج، لا استثناءً فيها.
لكن تأثير الحرب لا يتوقف عند الخليج. فالنظام الإقليمي الذي تشكل خلال العقدين الماضيين كان قائماً إلى حد كبير على شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة من لبنان إلى اليمن. وهذه الشبكة تواجه اليوم اختباراً قاسياً.
في لبنان، وفي اليمن، وفي العراق وسوريا، تعتمد القوى المرتبطة بطهران إلى حد كبير على خطوط دعم عسكرية ومالية قادمة من إيران. وإذا نجحت العمليات العسكرية الحالية في تعطيل هذه الشبكات أو تقليص قدرتها على الحركة، فإن تلك التنظيمات قد تجد نفسها أمام واقع جديد: إما التحول إلى قوى محلية محدودة التأثير، أو الانخراط في صراعات داخلية للبقاء.
وفي موازاة ذلك، قد نشهد فرض ترتيبات أمنية جديدة في دول الجوار الإيراني، خاصة في العراق وسوريا، لمنع استخدام أراضيها كمنصات لإطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيرة. مناطق حظر طيران، ومناطق عازلة، وترتيبات مراقبة دولية قد تصبح جزءاً من المشهد الإقليمي في السنوات القادمة.
أما سياسياً، فإن السيناريو الأكثر إثارة للنقاش يتعلق بما قد يحدث داخل إيران نفسها. فالحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تضع النظام الإيراني تحت ضغط غير مسبوق. وإذا تزامن هذا الضغط مع أزمة اقتصادية داخلية وتراجع قدرة الدولة على ضبط الساحة الداخلية، فقد نشهد تغيرات عميقة في بنية السلطة في طهران. البعض يتحدث عن احتمال انقلاب داخلي داخل النخبة الحاكمة، والبعض الآخر يتوقع موجة احتجاجات شعبية واسعة. وفي كلا الحالتين، قد تفتح الحرب الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً في علاقة إيران بالمنطقة وبالغرب.
لكن المستقبل ليس طريقاً واحداً. هناك أكثر من سيناريو يمكن أن تفضي إليه هذه الحرب. السيناريو الأول هو الحسم السريع: ضربة عسكرية مكثفة تدمر القدرات النووية والصاروخية الإيرانية خلال فترة قصيرة، يليها فرض نظام أمني إقليمي جديد وربما ترتيبات سياسية أوسع. السيناريو الثاني هو الاستنزاف الطويل، حيث تتحول الحرب إلى مواجهة مستمرة من الصواريخ والطائرات المسيرة والضربات المحدودة، تستمر لأشهر وربما سنوات، وتستنزف الجميع اقتصادياً وسياسياً. أما السيناريو الثالث فهو الأكثر خطورة، وهو سيناريو الانهيار والفوضى، حيث يؤدي الضغط العسكري والسياسي إلى تفكك مؤسسات الدولة الإيرانية وظهور صراعات داخلية قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها.
في النهاية، ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يشبه مخاضاً طويلاً لنظام إقليمي جديد. عسكرياً قد تنتهي الحرب بتفوق واضح للقوى التي تمتلك التكنولوجيا الجوية والقدرات الاستخباراتية الأكثر تطوراً. لكن التحدي الحقيقي لن يكون في كسب الحرب، بل في إدارة اليوم التالي لها. فإيران، مهما كان شكل النظام فيها بعد هذه المواجهة، ستبقى دولة كبيرة ذات موقع استراتيجي حساس. وإذا تحولت إلى دولة فاشلة، فإن المنطقة قد تواجه موجات جديدة من الفوضى: لاجئون، سلاح منفلت، وصراعات مفتوحة.
لهذا السبب، فإن السؤال الذي سيواجه الشرق الأوسط بعد انتهاء المدافع ليس فقط كيف انتهت الحرب، بل كيف يمكن منع السلام الذي يليها من أن يتحول إلى بداية أزمة أكبر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الجزائر ومالي.. هل انتهت الأزمة؟ | مسائية
.. أمريكا - إيران: هل تعود الحرب من جديد؟ • فرانس 24 / FRANCE 2
.. ترامب يعيد فرض الحصار على إيران ويكشف مصير مجتبى خامنئي | #ا
.. عبر الخريطة التفاعلية.. استعدادات أمريكية لفرض الحصار البحري
.. كايا كالاس: حرية الملاحة يجب أن تحترم وألا تفرض أي رسوم على