الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ودور المرأة الأربيلية في صناعة الفرح الرمضاني
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2026 / 3 / 5الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم تكن مائدة الإفطار في قلعة أربيل خلال القرن العشرين مجرد طعامٍ يُحضَّر بعد يومٍ طويل من الصيام، بل كانت صورةً حيّة من صور الحياة الاجتماعية التي عاشها أهل القلعة فوق تلّها العتيق. ففي تلك البيوت المتلاصقة، وبين الأزقة الضيقة التي احتضنت أجيالًا متعاقبة، كان شهر رمضان يتحوّل إلى موسمٍ من الألفة والبركة، تتجلّى فيه قيم المشاركة العائلية والتكافل الاجتماعي. وكانت المائدة الرمضانية تعبيرًا صادقًا عن روح البيت الأربِيلي، وعن الجهد الصامت الذي كانت تبذله المرأة داخل المنزل، حيث كانت تصنع من مطبخها البسيط عالمًا من الكرم والصبر والمحبة.
كانت لحظة الإفطار تبدأ بطقسٍ دينيٍّ بسيط يحمل معاني البركة والامتنان. فقد كان التمر حاضرًا دائمًا على مائدة الإفطار، يفطر به الصائم كلَّ يوم لما فيه من الخير والبركة والصحة. وكان الصائم يكتفي بتمرةٍ واحدة أو ثلاث تمرات عند سماع أذان المغرب، اقتداءً بالسنة النبوية. وقبل أن يتناول التمر، كان يقول الدعاء المعروف:
«اللهم لك صمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وعلى رزقك أفطرنا، ولصوم غدٍ نوينا»،
ثم يتبع ذلك بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ:
«ذهب الظمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله».
بعد ذلك يتناول التمر، ثم يبدأ عادةً بشربة العدس الدافئة التي كانت تُعدّ من الأطباق الأساسية في بداية الإفطار، قبل الانتقال إلى بقية الأطعمة التي تزيّن المائدة.
كانت مائدة الإفطار في قلعة أربيل تجمع أطباقًا شعبية متوارثة عُرفت ببساطتها وقيمتها الغذائية، وكانت تُعدّ بعناية لتمنح الصائم القوة بعد يومٍ طويل من الصيام والعمل. ومن أبرز هذه الأكلات كبة الأرز المقلية المعروفة بالعروق، وهي خفيفة ومحببة لدى الصائمين، إضافة إلى الدولمة التي كانت تُعدّ بعناية في كثير من البيوت، وشوربة العدس التي تسبق غالبًا بقية الأطباق. كما كان التمن مع المرق حاضرًا بوصفه طبقًا رئيسيًا في المائدة العراقية، إلى جانب كبة البرغل المقلية، وكازم كباب الذي يُعدّ من الأكلات الشعبية المعروفة في أربيل، وكذلك البرياني بنكهته الخاصة التي تجمع بين الأرز والبهارات والخضار، إضافة إلى الكفتة المقلية والطرشي الذي كان يضيف إلى المائدة طعمًا حامضًا يفتح الشهية. وكانت هذه الأطباق تُقدَّم غالبًا في صينية كبيرة تتوسط المائدة، فيجتمع أفراد العائلة حولها في مشهدٍ عائلي دافئ يعكس روح المشاركة والتقارب بين أفراد الأسرة.
أما المشروبات الرمضانية، فقد كان لها حضورٌ خاص يضفي على المائدة نكهة مميزة. ومن أشهر هذه المشروبات شربة الزبيب وشربة الرمان اللتان عُرفتا بطعمهما المنعش وفوائدهما الصحية. وغالبًا ما كانت هذه المشروبات تُشترى من السوق، إذ اشتهرت بعض الدكاكين في أربيل بإعدادها وبيعها قبيل الإفطار. وكان الأطفال أو أحد أفراد العائلة يُرسلون قبل أذان المغرب بدقائق لشرائها، فيعودون بها مسرعين إلى البيت ليكتمل بها مشهد المائدة الرمضانية.
وبعد الإفطار وصلاة المغرب، كانت المائدة تُختتم ببعض الحلويات التي يشتريها الناس من الأسواق، مثل البقلاوة والزبالية، وهي من الحلويات الشعبية المعروفة في أربيل. وكانت هذه الحلويات تُقدَّم أحيانًا مع الشاي بعد صلاة التراويح، أو أثناء زيارات الأقارب والجيران، حيث كانت الزيارات الليلية في رمضان جزءًا من الحياة الاجتماعية الدافئة التي تميز بها المجتمع الأربِيلي.
لكن خلف هذه المائدة العامرة كان يقف جهدٌ كبير، بطلتُه المرأة الأربيلية التي كانت تتحمّل عبء إعداد الطعام في ظروف ليست سهلة. فقد كانت تبدأ عملها منذ ساعات الصباح الأولى، تنظف الخضار، وتعدّ العجين، وتحضّر الحشوات، وتُشعل النار تحت القدور. ولم تكن أدوات المطبخ متطورة كما هي اليوم، كما لم تكن الأجهزة الكهربائية موجودة، ومع ذلك كانت المرأة تُنجز كل هذه الأعمال بصبرٍ ومحبة، لأنها كانت ترى في إعداد الطعام خدمةً لأهل بيتها وعبادةً في شهرٍ مبارك.
كانت الأم الأربيلية تصوم مثل بقية أفراد العائلة، لكنها تقضي ساعاتٍ طويلة في المطبخ، تقف أمام النار وتتحمل التعب، ثم تجلس إلى المائدة في نهاية الأمر بعد أن تطمئن إلى أن الجميع قد أفطروا. وكان يكفيها أن ترى الفرح في وجوه أطفالها وزوجها لتشعر بالرضا، وكأنها صنعت بيديها لحظة سعادةٍ عائلية تتكرر كل مساء من أمسيات رمضان.
وهكذا لم يكن سرّ تلك المائدة في كثرة الطعام، بل في البركة التي صنعتها يد المرأة الأربيلية. فقد كانت تُدير البيت بحكمة، وتوازن بين الإمكانات المحدودة وكرم الضيافة الذي عُرف به أهل أربيل. ولهذا بقيت صورة المرأة الأربيلية في ذاكرة رمضان رمزًا للصبر والعطاء؛ امرأةٌ كانت تصنع الطعام بيدها، لكنها في الحقيقة كانت تصنع دفء العائلة وروح الشهر الكريم.
وهكذا كانت مائدة الإفطار في قلعة أربيل خلال القرن العشرين صفحةً من صفحات الحياة الاجتماعية الجميلة، تختلط فيها رائحة الطعام بصوت الأذان، وتلتقي فيها الأسرة حول صينيةٍ واحدة. وإذا كان الناس يتذكرون طعم الكبة والدولمة وشوربة العدس، فإن الذاكرة العميقة لرمضان في أربيل تتذكر قبل ذلك تعب المرأة الأربيلية وصبرها؛ فهي التي كانت تقف خلف تلك المائدة بصمتٍ ومحبة، لتجعل من كل يومٍ من أيام رمضان عيدًا صغيرًا داخل البيت.
تحية تقدير لكل أم أربيلية،
صنعت بيديها مائدة رمضان،
وصنعت بصبرها ذاكرة مدينة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القوات الحكومية اليمنية تغير قواعد المواجهة ضد الحوثيين
.. نافذة تحليلية | خطة ترمب لغزة بين التشدد الإسرائيلي والضغوط
.. نشرة إخبارية | سوريا ترد على رسالة نتنياهو من جبل الشيخ.. وت
.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا
.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية