الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يحوّل النيوليبرالية مشروع -الإنارة- إلى ظلام

هيوا عمر
نائب سكرتير الحزب الشيوعي الكردستاني

(Hiwa Omer)

2026 / 3 / 6
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق



بدأ تنفيذ مشروع "الإنارة" بزيادة سعر الكيلوواط الواحد من الكهرباء من 18 ديناراً إلى 156 ديناراً. وقد أدى ذلك حينها إلى موجة واسعة من احتجاجات المواطنين، الأمر الذي اضطر وزارة الكهرباء إلى تقديم مقترح جديد إلى مجلس الوزراء يقضي بتحديد السعر عند 100 دينار لكل كيلوواط. وبينما تم رفع السعر من 18 ديناراً إلى 100 دينار، استمرت الحكومة يومياً وبأساليب مختلفة في الحديث عن الأسعار الجديدة وتعليماتها، وهو ما كان يهدف في الواقع إلى إرباك المواطنين وتمرير القرار.

ولترسيخ السعر الجديد، لم تفرضه الحكومة دفعة واحدة على المواطنين، بل قامت – وفق خطة مدروسة – برفع الأسعار تدريجياً عبر عدة مراحل. وما نشهده اليوم من احتجاجات المواطنين ليس إلا نتيجة مرحلة أخرى من مراحل رفع أسعار الكهرباء.

إن احتجاجات المواطنين على ارتفاع أسعار كهرباء "مشروع الإنارة" ليست احتجاجات يمكن اختزالها في مسألة السعر وحدها. فارتفاع أسعار الكهرباء ليس مشكلة إدارية، ولا خطأ تقنياً، ولا حتى مجرد قرار خاص داخل وزارة الكهرباء.

إن جذور ارتفاع أسعار الكهرباء وغيرها من الخدمات الحكومية في قطاعات مثل التعليم، والصحة، والتعليم العالي، والقضاء، والبلديات، والداخلية، وغيرها، ترتبط بسلسلة مترابطة من السياسات. وهذه السياسات تعود إلى التحولات التي بدأت خلال الخمسة عشر عاماً الماضية تحت عنوان "الإصلاح". وخلال هذه الفترة جرى تطبيق وصفات النيوليبرالية تدريجياً في السياسات العامة لحكومة إقليم كردستان، وكانت النتيجة أن الحكومة وقوانينها أصبحت في خدمة شركات القطاع الخاص، أو الشركات الحزبية والأفراد المقربين من الأحزاب.

في هذا الشكل من الحكم، وبدلاً من تحمّل المسؤولية الاجتماعية وحماية الحياة المجتمعية، تتعامل الحكومة مع المواطنين والمجتمع بوصفهم مصدراً للإيرادات. وهنا تحوّل دور الحكومة في جوهره إلى "حكومة للشركات".

إن أساس هذه السياسة يقوم على إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والسياسية وفق أفكار الرأسمالية الجديدة التي تتبناها حكومة إقليم كردستان. ويأتي ذلك في أعقاب التفاهمات الاستراتيجية بين مسؤولي الحكومة وكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهما مؤسستان دوليتان تعملان على تنفيذ سياسات النيوليبرالية الجديدة.

واليوم، لا تمثل أزمة قطاع الكهرباء سوى واحدة من بين عشرات الأزمات الأخرى مثل: ارتفاع تكاليف المستشفيات، وانتشار التعليم الخاص، والاستنزاف اليومي للمواطنين عبر الضرائب والرسوم المختلفة التي يواجهونها بشكل مستمر. وفي الوقت نفسه جرى خلق بيئة تدفع المواطنين قسراً نحو الخدمات الخاصة نتيجة تدهور جودة خدمات التعليم والصحة وسائر قطاعات الخدمة العامة. وفي القطاع الخاص تصبح كل الأشياء سلعة، والسلعة ليست سوى أداة لتكديس الأموال وتحقيق الأرباح الخاصة.

اتجاه ومضمون الاحتجاجات

ورغم أن المواطنين غالباً لا يستطيعون رؤية سوى نتائج الأزمة وليس أسبابها ومضمونها الحقيقي، فإن السؤال المطروح هو: لماذا تنشغل معظم قوى المعارضة بانتقادات سطحية بدلاً من فهم السبب الجوهري للأزمة وطرح بديل مختلف؟ إن مثل هذه الانتقادات، إلى جانب أنها تمتص جزءاً مؤقتاً من الغضب الشعبي، لا تستطيع أن تخفف من معاناة المواطنين أو من جوهر الأزمات التي يعيشونها.

في عام 2021، عندما تم بيع قطاع الاستثمار في الكهرباء من وزارة الكهرباء إلى القطاع الخاص، وبعد جمع آلاف التواقيع وتنظيم تظاهرة جماهيرية أمام برلمان كردستان، قدمنا مذكرة باسم "لجنة العمل المشترك لليسار الكردستاني" إلى رئيس وأعضاء لجنة الصناعة والطاقة في البرلمان، عرضنا فيها المخاطر التي نعيشها اليوم.

أما رئيس تلك اللجنة البرلمانية آنذاك – والذي أصبح اليوم رئيساً لإحدى قوى المعارضة – فلم يكن لديه موقف واضح ضد بيع هذا القطاع. كل ما قاله حينها كان:
"لقد أبلغونا أنهم لن يرفعوا الأسعار!"
وحتى اليوم ما زال ذلك السياسي يتحدث فقط عن السعر، من دون التطرق إلى النظام نفسه بوصفه مصدراً للظلم.

إن ما يواجهه الناس اليوم يرتبط بالفكرة السياسية والاقتصادية للتحالف الحاكم. لذلك لا ينبغي اختزال القضية في شخصنة الأزمة أو الحديث عن الأسعار فقط، بل يجب انتقاد النظام نفسه، وتفكيكه، وطرح مشروع بديل له.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسؤول أمريكي سابق يحدد شروط التوصل لاتفاق بشأن الملاحة في مض


.. السلطات الصحية في جمهورية الكونغو: ارتفاع عدد الوفيات الناجم




.. عاجل | الديوان الأميري القطري يعلن وفاة الأمير الوالد الشيخ


.. انفعال عسكري أم دفاع عن النفس؟.. سجال بشأن استهداف إيران لدو




.. إيران تجدد هجماتها على البحرين وقطر والإمارات والكويت