الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


غربة الحرف... حين يغدو الصمت منفى

محفوظ بجاوي

2026 / 3 / 7
قضايا ثقافية


ليس أقسى على الكاتب من أن يرى نبضه حبيساً في الزوايا المنسية، أن يسكب روحه في حروفٍ ثم يجدها تقف خلف أبوابٍ موصدة لا تفتحها ريح. يوجعك أن تكون هنا بكل فكرك وعمقك، لكن صدى صوتك يرتطم بجدار من الغياب، وكأنك تكتب لتمحو، أو تنادي في وادٍ لا يجيب فيه إلا الصمت.
​أحيانًا، تشعر بذاك اللاعدل الهادئ ليس تجاه شخصك، بل تجاه الكلمة التي ولدت بشغف ثم أُلقي بها في غياهب الانتظار. هو حزنٌ وجودي يجعلك تتساءل: هل ضاق الفضاء بما رحب؟ أم أن المعاني أصبحت ثقيلة على زمنٍ يفضل العبور السريع؟
​إن أصعب أنواع القهر هو ذلك الذي لا يصرخ، بل يتسلل إلى أصابعك وهي تخط الكلمات، لتشعر بغصة الغريب الذي عاد لبيته فلم يتعرف عليه أحد. لا عتاب في القلب، بل هي حيرة الروح حين لا تجد لها مرفأً، وانكسار الضوء حين لا يجد مرآة تعكس بريقه.
​إن حرمان الحرف من حقه في الضوء هو وأدٌ معنوي لروحٍ اختارت الفكر لغةً للحياة. فنحن لا نكتب لنملأ الفراغ، بل لنرمّم انكسارات الواقع، ولنجعل من أوجاعنا جسوراً يعبر عليها الآخرون نحو المعنى. حين تُغيّب الكلمة، يُغيّب معها جزءٌ من الحقيقة، ويُترك الكاتب في صراعٍ مرير مع جدوى العطاء؛ هل يستمر في النحت على الماء، أم ينسحب بكرامة الصمت؟
​لكنّ الكاتب الحقيقي هو ذاك الذي يجعل من التهميش وقوداً لاحتراقه الإبداعي، ومن النسيان دافعاً لتعميق الرؤية. إن القهر الذي يولد من رحم الظلم الثقافي لا يقتل القلم، بل يمنحه حبراً من دم لا يمحى بسهولة. قد تضيق المنابر، وقد تتبدل الموازين، وقد يطول ليل الانتظار على عتبات النشر، لكن الفكرة الحرة تظل كالبذرة التي تشق الصخر لا تستأذن أحداً لتنمو، ولا تنتظر اعترافاً لكي تزهو.
​يبقى العزاء الوحيد أن الحرف الحقيقي لا يموت بالحبس، بل يزداد عتقاً.. وأن الوفاء للفكر لا يحتاج لمباركة أحد، بقدر ما يحتاج لقلبٍ يؤمن بأن الكلمة الصادقة ستجد طريقها يوماً، ولو بعد حين، لتنصف صاحبها وتكسر قيد التغييب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول اتصال بين ترامب ورئيس وزراء بريطانيا الجديد.. ماذا دار ب


.. ما وراء الخبر - كيف تنظر المقاومة إلى المرحلة الراهنة وما خي




.. -جبل الفأس-.. الهدف الإيراني الذي يتوعد ترمب بتدميره قريباً


.. الإيغاد ترصد تقاربا سياسيا في السودان وتدعو لتنسيق جهود الوس




.. الكويت تستدعي السفير الإيراني وتسلمه مذكرة احتجاج على استهدا