الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 3 / 8
الادب والفن
عن الرضا .. وعن اليقين الذي يسبق الطريق. هل تأتي الأشياء التي نؤمن بها حقاً، أم أن الطريق إليها هو الذي يغيّرنا؟ أحياناً نحتاج أن نتوقف قليلاً، لا لأن الطريق انتهى، بل لأن الضجيج حولنا أصبح أعلى من صوت أفكارنا. في تلك اللحظة الهادئة يطل سؤال بسيط لكنه عميق: ما معنى الرضا؟
الرضا ليس استسلاماً للحياة، وليس تراجعاً عن الأحلام، وليس إعلاناً بأن ما لدينا يكفينا مهما كان قليلاً. الرضا في جوهره فهمٌ مختلف لطبيعة الطريق نفسه. أن يدرك الإنسان أن ما بين يديه الآن ليس بالضرورة كل ما يمكن أن يكون له، وأن بعض الأشياء لا تأتي حين نطلبها، بل حين تكتمل ظروفها.
قد لا يكون ما بين أيدينا اليوم كل ما تمنيناه، وقد يبدو أحياناً أن بعض الأمور ابتعدت أكثر مما توقعنا. لكن الحياة ليست لحظة واحدة، ولا قراراً واحداً، ولا باباً واحداً يُغلق فتنتهي الحكاية. ما لم يُكتب لنا الآن قد نمتلكه يوماً، لكن في وقتٍ غير الوقت الذي نراه مناسباً. لذلك يبقى للصبر دورٌ خفي في كل ما ننتظره.
الإنسان بطبيعته ينظر كثيراً إلى ما لدى الآخرين، يقارن طريقه بطرقهم، ويظن أحياناً أن الفرص التي ضاعت منه كان يمكن أن تكون له لو تغيّرت بعض الظروف. لكن الحقيقة أبسط وأعمق: لكل إنسان طريقه الخاص، وتوقيته الخاص، وتجارب لا تشبه تجارب غيره.
حين يدرك الإنسان هذه الحقيقة يبدأ بالنظر إلى حياته بطريقة مختلفة. يتوقف عن حساب ما فاته، ويبدأ بتقدير ما بين يديه. لأن الحياة ليست سباقاً بين الناس بقدر ما هي رحلة شخصية لكل إنسان. والرضا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن السعي. بل على العكس، هو أن يسعى بقلب أكثر طمأنينة، مدركاً أن جهده مطلوب، وأن العمل طريق لا بد منه، لكنه في الوقت نفسه يعلم أن النتائج ليست كلها بيده، وأن الطريق أحياناً يأخذ منعطفات لم تكن في الحسبان.
قد يشعر الإنسان بالاستقرار في عمله أو مشروعه، ثم فجأة تحدث تغييرات لم يكن يتوقعها. قد يظن أن الطريق انتهى، لكنه مع مرور الوقت يكتشف أن تلك اللحظة لم تكن نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر لم يكن ليتحقق لولا تلك الصدمة الصغيرة. الحياة غالباً لا تغلق الأبواب لتؤذي، بل لتدفع نحو أبواب أخرى لم يكن التفكير في فتحها قائماً. ومن هنا يظهر الفرق بين من يرى الأحداث نهايات، ومن يراها مجرد محطات. الأول يتوقف ويغرق في الإحباط، أما الثاني فيعيد ترتيب أفكاره ثم يواصل السير.
حين يؤمن الإنسان بفكرة ما بعمق، تبدأ قراراته بالتشكل حولها. ما يملأ تفكير الإنسان يتحول تدريجياً إلى سلوك، وما يتحول إلى سلوك يصبح جزءاً من الواقع الذي يعيشه. اليقين يخلق حالة داخلية مختلفة: من يبحث عن الفرص يجدها، ومن يعيش بفكرة الفشل يرى العقبات فقط.
العلاقات الإنسانية، خصوصاً في الحب، كثيراً ما تتجاوز الظروف المادية والإمكانات المتوفرة. هناك من يقبل بالبساطة، ويقدّر الصدق والنية قبل المظاهر، لأن الجوهر في النهاية أهم من الشكل. قد يكون من السهل للإنسان أن يسلك الطريق الأقصر، وأن يبدأ حياة مع أي شريك يوافق على الظروف المحيطة به، لكن في بعض التجارب لا يكون الأمر بهذه البساطة. أحياناً يختار الإنسان شخصاً واحداً فقط، يراه الأقرب إلى روحه، ويتمسك بفكرة الوصول إليه رغم صعوبة الطريق، ليس لأن التعقيدات غير موجودة، بل لأنه يدركها جيداً، ويفهم أن الثقة لا تُبنى بالكلمات فقط، بل بالرحلة المشتركة والصبر المتبادل.
هنا تتجلى قيمة مختلفة عن مجرد الرغبة في علاقة أو الزواج. تظهر قيمة الوفاء للفكرة والإيمان بالشريك الذي اختاره القلب. في زمن أصبحت فيه كثير من العلاقات محكومة بالسرعة والبدائل السهلة، يصبح التمسك بفكرة واحدة نوعاً من الصبر الواعي، لا عناداً فارغاً. بعض العلاقات لا تُقاس بسهولة الطريق إليها، بل بصدق النية في السير فيها. وفي هذه المساحة يظهر ما يمكن تسميته ميزان القرب: ذلك الميزان غير المرئي الذي يقيس المسافة بين القلوب، لا بين الأماكن، ويحدد مدى صدق العلاقة وعمقها، بعيداً عن أي ظرف خارجي أو مكان جغرافي.
ليس كل التريث ضياعاً، وليس كل الصمت ضعفاً. أحياناً يكون الأمر مجرد انتظار للحظة أكثر وضوحاً، ظرف أكثر نضجاً، أو كلمة لم تجد توقيتها الصحيح بعد. في تلك المساحات الهادئة بين القرار والانتظار يعيش الإنسان اختباراً حقيقياً للصبر.
الرضا يصبح حينها أكثر من مجرد فكرة أخلاقية؛ إنه طريقة مختلفة للنظر إلى الطريق نفسه. الإنسان حين يسير بالرضا، ويفكر باليقين، ويترك في قلبه مساحة للأمل ... يصبح الطريق أقل قسوة وأكثر معنى، ويدرك أن بعض الطرق لا تنتهي فجأة، بل تبقى فيها صفحة مفتوحة قليلاً، لأن بين القرب والانتظار دائماً حكاية لم تُكتب نهايتها بعد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات