الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ذكريات حائرة في جامعة بغداد
أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي
(Osama Al-badran)
2026 / 3 / 9
الادب والفن
بدأتُ مشواري الجامعي بعد نكبة حزنٍ عميقة.
كانت تلك النكبة نتيجة عدم ارتباطي بالنظام السياسي الحاكم آنذاك، فعوقبتُ بذنبٍ لم أرتكبه إلا لأنني لم أنتمِ إليهم. مُنعتُ من خوض الامتحان الوزاري أسوةً بباقي أقراني من الطلبة، وكانت تلك الضربة الأولى التي رسم بها القدر ملامح تلك المرحلة من حياتي.
كانت السنوات ما بين 1999 و2002 محاولة يائسة مني للحاق بما فاتني من دراستي، ومحاولة لإصلاح ما أفسده ظلم السلطة آنذاك. لكن ما بدا لي بدايةً لسوء الحظ، كان في الحقيقة مقدمة لسلسلة أخرى من الاختبارات التي يمر بها كل فرد في العراق إذا حاول أن يسير خارج قوانين المجتمع الذي كان يحكمه نظام الحزب الواحد ودكتاتوريته.
رفضت بشدة أن أنضم إلى معهد التكنولوجيا في الحلة – الحصوة، رغم كفاءته العلمية والدراسية.
كان قلبي يرفض مغادرة بغداد؛ ربما لأن روحي بدأت رحلتها فيها، حيث ولدت وعشت وترعرعت.
هناك، في منزلنا البسيط الذي بناه والدي بشق الأنفس، كان شارعنا يحمل الرقم 30 في منطقة حي الميكانيك في بغداد.
كان ذلك الشارع نافذتي الصغيرة إلى هذا العالم الكبير. لم أكن أعلم يومها أن الأرواح قد ترتبط ببعضها دون سابق تخطيط أو إنذار.
بدأت أتجاوز العقبات كي أحصل على القبول في كلية التربية الرياضية في جامعة بغداد. كانت تلك الكلية خياري الوحيد بعد كل الضربات الموجعة التي تلقيتها من ذلك النظام.
كانت فرحتي عظيمة عندما قُبلت فيها.
حتى إنني كنت أذهب يومياً إلى الكلية رغم أن الدوام الرسمي لم يكن قد بدأ بعد. لم أكن أعلم أن هناك روحاً طيبة ونقية كانت تشدني إلى ذلك المكان.
لم أخطط لذلك اللقاء أبداً.
ولم أعرف أن حياتي، حيث بدأت هناك، قد تنتهي أيضاً في المكان نفسه… وأن سعادتي ستُقتل في مهدها.
والغريب أن السبب، في بداية القصة، لم يكن النظام.
ربما سأعرف السبب بعد أكثر من عشرين عاماً… من يدري.
---
لم تكن جامعة بغداد بالنسبة لي مجرد قاعات دراسية أو ممرات مزدحمة بالطلبة.
كانت مدينةً صغيرة داخل مدينةٍ أكبر؛ مدينة مليئة بالأحلام التي لم تكن تعلم أن التاريخ سيأتي قريباً ليغير كل شيء.
في صباحات عام 2003 كنت أعبر بوابة الجامعة حاملاً كتبي وحقيبتي الرياضية التي تضم كل تجهيزاتي، لكنني في الحقيقة كنت أحمل شيئاً آخر لا يشبه الكتب.
كنت أحمل انتظاراً صغيراً… انتظاراً لرؤيتها.
كانت تمر في الممر المؤدي إلى الكلية بهدوء يشبه نسيم دجلة في الربيع.
لم تكن تعلم أن خطواتها البسيطة كانت تربك قلبي، وأن ابتسامتها العابرة كانت كفيلة بأن تجعل يوماً كاملاً يبدو مختلفاً.
في تلك الأيام كان العالم يبدو بسيطاً.
كنا نظن أن أقسى ما يمكن أن يحدث هو امتحان صعب أو محاضرة طويلة.
لكننا لم نكن نعلم أن بغداد نفسها كانت تقف على حافة زمنٍ جديد.
---
بدأت الحكاية قبل الجامعة بقليل، في حي الميكانيك.
كنت أعمل في ورشة لتصليح الأجهزة المنزلية. نعم، كنت أعمل وأدرس في الوقت نفسه. ما ظننته يوماً سبباً في حرماني من الامتحان الوزاري جعلني أكثر قوة وصلابة، وجعلني أتعلم كيف أواجه العقبات وأكدح لتحقيق أهدافي.
كنت أرى بعين الشاب اليافع أن المال قوة، وأن المهنة حصن يحمي الإنسان من المستقبل المجهول، وأن العلم سلاح لا بد منه، وأن الشهادة الأكاديمية هي التي سأواجه بها المجتمع في الأيام القادمة.
في أوقات فراغي كنت أراقب سيارات الريم التي تمر في شارع الميكانيك.
وهناك… كانت روحها تمر بقربي.
كانت تجلس في السيارة بشموخٍ يعلوه شيء من الكبرياء، لم يكن يناسب وجهها الطفولي الجميل ولا عينيها الحائرتين.
رمقتني ذات مرة بنظرة كانت كفيلة بأن تأسر قلبي مدى الحياة.
ورغم ذلك، لم يكن مستقبلي واضحاً أمامي. كان ضبابياً إلى حدٍ بعيد.
لكنني كنت أستطيع أن أرى خلال الضباب جيداً.
فمن أكون أنا… حتى تقبل تلك الجميلة، بشموخها وعنفوان شبابها، أن تسير في طريقي؟
---
كنت أتصور مستقبلاً بسيطاً:
ربما أصبح صاحب ورشة صغيرة، أو معلماً في مدرسة.
ربما أتزوج فتاة بسيطة وأعيش مع والدي في منزله.
وربما أجلس ليلاً أدخن سيجارة قرب نافذة غرفتي، أفكر بها وهي تمر أمام شباكي.
ربما يكون لدي عدد من الأطفال الذين لا يشبهونني في شيء.
من يدري؟
لم يكن أحد يعلم…
أن بغداد نفسها ستسقط يوماً تحت نير الاحتلال.
---
ثم جاء عام 2003.
لم تسقط بغداد وحدها.
سقطت أشياء كثيرة معها.
تغيرت الشوارع.
وتغيرت الوجوه.
وتغيرت الجامعة التي عرفناها.
اختفت تلك الصباحات الهادئة.
واختفت معها أيضاً تلك الفتاة التي كانت تمشي في الممر ذاته.
اختفى من حياتي مخطط ستين عاماً كنت أتخيل أنني سأعيشها معها، مع توأم روحي.
لم يكن هناك وداع حقيقي.
ولا كلمة أخيرة.
فالحروب لا تعطي الناس فرصة لإكمال قصصهم.
ومنذ ذلك اليوم بقيت تلك الذكرى معلقة في قلبي كصورة قديمة:
ممر في جامعة بغداد…
وفتاة تمر بهدوء…
وشاب لم يكن يعلم أن تلك اللحظات ستصبح يوماً أجمل ما خسره في حياته.
---
بعد قبولي في الجامعة كنت أراها أحياناً تصعد في حافلة تمر من سوق الآثوريين إلى جسر الجادرية.
كنت ألمحها هناك كثيراً.
كانت وجنتاي تتوردان كلما وقع بصري عليها.
كنت أخجل من مواجهتها، وأحياناً أبتسم لنفسي كأي شاب ساذج يعيش أولى لحظات قلبه.
تعرفت عليها أخيراً، وبدأت حياتي تسير لأول مرة كما تمنيتها.
كنا نذهب إلى الجامعة معاً… ونعود منها معاً.
وأحياناً كنا نتصرف بطيش الشباب، فنضيع بعض المحاضرات لنقضي الوقت في كافتريا الجامعة.
نأكل سندويشات بسيطة، نشرب علبتي كولا باردتين، نأكل بعض الـ"فِنغرز"، ونستمع إلى أغاني هيثم يوسف أو محمد عبد الجبار، وأحياناً إلى موسيقى هادئة.
لم تكن تلك الأيام طويلة أبداً.
كانت مجرد أربعة أسابيع… وربما ثلاثة فقط.
قد تخونني الذاكرة.
وربما… كان كل ذلك مجرد حلم.
من يدري؟
---
مرت سنوات طويلة.
تغيرت المدن.
وتغيرت الوجوه.
وتغيرت حياتي أيضاً.
لكن الغريب أن تلك الذكرى بقيت كما هي.
أحياناً أفكر:
ربما لم يكن ذلك حباً كاملاً،
ربما كان مجرد بداية لم تُكتب لها نهاية.
لكن بعض القصص لا تُقاس بنهاياتها،
بل بما تركته في القلب من أثر.
وكلما تذكرت جامعة بغداد في تلك الأيام، أتذكرها هي.
كأن الزمن توقف هناك…
قبل أن تتغير بغداد إلى الأبد، وقبل أن يتحطم القلب الذي أحمله على حجارة الواقع الصلدة.
عشق بغداد ذاب في قلبٍ مكسور.
غادرت بغداد اليوم، وسكنت في مدينة أخرى اسمها كربلاء، لكن قلبي ما زال هناك.
ربما لم يُكتب لنا أن نعيش كما أردنا،
لكنني أعرف شيئاً واحداً جيداً:
أنني لم أكن لأستسلم للنظام…
ولا للقدر…
ولا لهما معاً.
حتى لو كلفني ذلك هذه الحياة…
وحياةً أخرى بعدها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل