الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
8 دجنبر 1975: تهجير المغاربة من الجزائر ومقتضيات الذاكرة والإنصاف : مقاربة لواحدة من أبرز الانتهاكات الجماعية بالمنطقة المغاربية
خالد خالص
2026 / 3 / 10حقوق الانسان
يمثل يوم 8 دجنبر 1975 محطة مركزية في تاريخ الانتهاكات الجسيمة التي عرفتها المنطقة المغاربية خلال القرن العشرين. ففي هذا اليوم، الذي صادف أول أيام عيد الأضحى، أقدمت السلطات الجزائرية على تنفيذ عملية تهجير قسري جماعي استهدفت ما يقارب خمسة وسبعين ألف مواطن مغربي كانوا يقيمون فوق التراب الجزائري إقامة قانونية وكاملة المشروعية. وقد جاءت هذه العملية في سياق سياسي إقليمي حساس أعقب حدث المسيرة الخضراء ( 6نونبر 1975 )، لتمثل شكلا من أشكال المعاقبة الجماعية التي تفتقر إلى أي سند قانوني أو مبرر إنساني.
لم يكن اختيار يوم عيد الأضحى لتنفيذ الترحيل قرارا عرضيا، بل شكل عنصرا إضافيا زاد من الطابع الصادم للحدث. فقد فوجئت آلاف الأسر المغربية بتدخلات أمنية وعسكرية أفضت إلى: نقل العائلات قسرا عبر شاحنات نحو الحدود المغربية بجوج بغال، وإغلاق المنازل وحرمان أصحابها من العودة إليها، والفصل القسري بين أفراد الأسر المختلطة (مغاربة وجزائريون)، بما في ذلك الأزواج والأطفال، ومصادرة الممتلكات الخاصة دون أي مسطرة قانونية.
ولقد أدى ذلك إلى تفكيك نسيج اجتماعي قائم منذ عقود، وخلق أوضاع إنسانية بالغة القسوة، لاسيما بالنظر إلى الطابع المفاجئ وسرعة تنفيذ العملية لأفراد وأسر لا علاقة لهم بالسياسة.
وتجمع الأدبيات القانونية الدولية على أن التهجير القسري الجماعي، عندما يمارس على أساس الأصل الوطني أو العرقي، يصنف ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، ووفق المبادئ العرفية للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وقد تضمن ما وقع سنة 1975 عددا من الانتهاكات الجسيمة، من أبرزها: الإخلال بالحق في حرية التنقل والإقامة؛ وانتهاك الحق في الملكية من خلال تجريد المرحلين من ممتلكاتهم؛ وتعريض المدنيين لظروف لاإنسانية خلال عملية الترحيل؛ والتفريق المتعمد للأسر، وهو فعل يعتبر محظورا بموجب الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية الأسرة والطفل.
ومن ثم، فإن الحدث لا يمكن اختزاله في إجراء إداري أو ظرفي، بل يشكل ممارسة ممنهجة تدخل في إطار مسؤوليات الدولة تجاه حماية الأفراد الموجودين على أراضيها.
ولم تقتصر تداعيات التهجير على سنة 1975، بل امتدت على مدى عقود لاحقة، مخلفة موجات واسعة من التشرد وانعدام الاستقرار. كما تسببت في اضطرابات نفسية عميقة ناجمة عن الصدمة والانفصال القسري، وخسائر مادية جسيمة تمثلت في ضياع الممتلكات ومدخرات العمر. ولم تسلم الروابط الأسرية من آثارها، إذ تفككت عائلات كثيرة وما تزال انعكاسات ذلك حاضرة في حياة من بقي منهم إلى اليوم.
هذه النتائج تبرز عمق الجرح الذي خلفته العملية، وتظهر كيف تحول الحدث إلى ذاكرة جماعية لا تزال حاضرة بقوة في الوجدان المغربي.
إن استحضار هذا الحدث بعد مرور خمسة عقود لا يدخل في إطار تأجيج التوترات السياسية، بل يمثل واجبا أخلاقيا وتاريخيا يهدف الى توثيق الانتهاكات وضمان حفظ الذاكرة، وإلى دفع البلد المعتدي لتقديم اعتذار للمعتدى عليهم وللمغرب، وضمان الإنصاف المادي للضحايا، وأيضا لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان ومنع تكرار مثل هذه الممارسات؛ وتوفير الأسس الموضوعية لأي مسار للمساءلة أو العدالة الانتقالية الممكنة. فالأمم التي تطمح إلى بناء مستقبل مستقر لا يمكنها تجاوز صفحاتها المظلمة دون الاعتراف بها ومعالجة آثارها.
وإذا كان تهجير 8 دجنبر 1975 يشكل نموذجا صارخا للانتهاكات الجماعية التي تستوجب الدراسة والتحليل والتوثيق باعتباره حدثا اتسم بخرق ممنهج لحقوق الإنسان الأساسية، فإنه يفرض على الباحثين والمؤسسات الحقوقية مواصلة العمل من أجل توضيح ملابساته، وتحقيق الإنصاف للضحايا، وضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث مستقبلا.
إن الخوض في هذا الملف بقدر من الجرأة والمسؤولية لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة لإرساء عدالة تستند إلى ذاكرة جماعية لا تقبل المسخ ولا الإهمال. فالتاريخ، مهما حاول البعض الالتفاف عليه، يظل حاضرا بما يكفي ليذكر بأن الحقيقة المرة لا تلغى بالصمت، وأن ما يراد طمسه يعاود الظهور بإصرار. لذلك، فإن واجبنا اليوم ليس أن نتذكر فحسب، بل أن نحسن قراءة ما نتذكره… لأننا لا ننسى، والتاريخ أيضا لا ينسى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-
.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا
.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..
.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع