الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مذكرات مسعف ، علي الترك،

مهند طلال الاخرس

2026 / 3 / 10
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


مذكرات مسعف ، علي الترك، كتاب يقع على متن 203 صفحة من القطع المتوسط، والكتاب من اصدارات مكتبة سمير منصور في غزة/فلسطين، والكتاب صدر بطبعته الاولى سنة 2025.

الكتاب يتناول يوميات الحرب الدامية على غزة ظن قلم مسعف طبي عاين وعايش المقتلة وحرب الابادة من قلب الحدث..

ينتمي هذا الكتاب إلى أدب الشهادة واليوميات، إذ يدوّن الكاتب ـ وهو مسعف ميداني ـ تفاصيل الحرب الدامية التي عاشتها غزة، مقدّمًا سردًا حيًّا من داخل الحدث. فالنص لا يكتب الحرب من موقع المراقب أو المؤرخ، بل من موقع الشاهد الذي رأى الجرح مفتوحًا أمامه، وتعامل يوميًا مع ضحايا القصف والدمار في سياق ما يُنظر إليه بوصفه حرب إبادة طالت البشر والحجر معًا.

هذا الكتاب كتب باللغة العامية رغبة من الكاتب ومقصديته في توضيح المشهدية الدامية التي كانت عليها غزة خلال حرب الابادة وتوصيل معاناة الغزببن وبغية توصيل كل التفاصيل المؤلمة لاكبر شريحة من القراء على مستوى الوطن العربي بلغة سهلة خالية من اي تعقيدات لغوية[ وهذا امر لا نفر الكاتب فيه، بل نراه اضعف وسبلة التواصل [اللغة] واضعف من قيمة الكتاب ورسالته].

ورغم راينا السالف الذكر إلا اننا نرى ايضا ان الكتابة باللغة العامية اضفت خصوصية على هذا الكتاب بالنسبة لنا كفلسطينيين؛ في أنه كُتب باللغة العامية، وهو خيار لغوي زاجح امام هذه الفئة من قبل الكاتب، فقد سعى من خلال هذه اللغة المباشرة إلى نقل المشهد الدامي كما هو، دون مسافة بلاغية أو تزيين لغوي، بهدف إيصال التجربة القاسية التي عاشها الغزيون إلى أكبر شريحة ممكنة من القرّاء في العالم العربي. فاللغة هنا ليست مجرد أداة سرد، بل وسيلة تواصل إنساني عاجل، تحمل الألم بوضوح وبساطة.

ومع ذلك، فإن هذا الخيار اللغوي يثير سؤالًا نقديًا مهمًا؛ إذ يرى بعض القرّاء أن الاعتماد على العامية قد يسهّل التواصل ويمنح النص عفوية وصدقًا، بينما قد يرى آخرون أنه يحدّ من القيمة الأدبية للنص أو يقلل من إمكان تداوله في الأوساط الثقافية الأكاديمية. وبين هذين الرأيين يبقى النص شاهدًا حيًّا على تجربة إنسانية قاسية، تتجاوز حدود الشكل اللغوي لتقف في مساحة الشهادة والذاكرة.

في الكتاب قصص وحكايا تفوح منها رائحة الدم، إلا ان بعضها طافح بالجمال الذي يسبر غور النفس البشرية وتطلعاتها وآمالها ويزيح الستار عن كوامنها؛ ولا سيما حكاية الدكتور علي والتقمص الحاصل فيها، فمن خلال تقمص الكاتب لشخصية الدكتور او لقبه على الاقل -بغير ارادته في البداية-، اضفى على النص سردا انسانيا عميقا بان اثره على تطور شخصية الكاتب ونفسيته.

دلالة العنوان: "مذكرات مسعف"
يحمل عنوان كتاب «مذكرات مسعف» للكاتب الفلسطيني علي الترك كثافة دلالية واضحة، إذ يجمع بين كلمتين بسيطتين ظاهريًا، لكنهما تنفتحان على أبعاد إنسانية وتوثيقية عميقة، خاصة في سياق الحرب التي شهدها قطاع غزة.

أول ما يلفت النظر في العنوان هو كلمة "مذكرات"؛ وهي جنس أدبي يقوم على استعادة التجربة الشخصية وتدوينها من منظور ذاتي. فالمذكرات عادةً ما تُكتب بوصفها شهادة فردية على زمن أو حدث تاريخي، حيث يتحول الكاتب إلى شاهد يدوّن ما رآه وعاشه. وبذلك يضع العنوان القارئ منذ البداية أمام نص ينتمي إلى أدب الشهادة، لا إلى الخيال الروائي أو السرد المتخيل، بل إلى الكتابة التي تنبع من التجربة المباشرة. إن "المذكرات" هنا ليست مجرد تسجيل يومي للأحداث، بل محاولة لحفظ الذاكرة من الضياع، وتثبيت تفاصيل لحظة تاريخية قاسية في الوعي الجمعي.

أما الكلمة الثانية في العنوان، "مسعف"، فهي تحمل بعدًا إنسانيًا ومهنيًا خاصًا. فالمسعف ليس مجرد راوٍ للأحداث، بل هو شخص يقف في الخط الأول من المأساة، يلامس الجرح قبل أن يُروى، ويشهد الموت والحياة في لحظة واحدة. ومن ثمّ فإن حضور المسعف في العنوان يمنح النص مصداقية عالية، لأن الراوي هنا ليس مراقبًا من بعيد، بل مشاركًا فعليًا في مواجهة الكارثة. إنه الشخص الذي يحمل المصابين، ويشاهد الضحايا، ويتعامل يوميًا مع الألم الإنساني في أقسى صوره.

ومن خلال الجمع بين الكلمتين، يتشكل العنوان بوصفه شهادة إنسانية من داخل الحدث. فليست هذه مذكرات كاتب أو صحفي أو مؤرخ، بل مذكرات شخص يعمل في قلب الميدان الطبي، حيث تتقاطع الحياة والموت بشكل يومي. وهذا يمنح النص طابعًا توثيقيًا قويًا، لأن ما يُكتب فيه ليس تحليلًا للحرب بقدر ما هو تسجيل مباشر لآثارها على البشر.

كما أن العنوان يوحي منذ البداية بأن الكتاب لا يركز فقط على الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا، بل على الجانب الإنساني للحرب: الجرحى، الضحايا، لحظات الإنقاذ، ومحاولات التمسك بالحياة وسط الدمار.

فالمسعف في المخيال الجمعي هو رمز للنجدة والإنقاذ، لكنه في سياق الحرب يتحول أيضًا إلى شاهد على الفاجعة، يحمل ذاكرة الألم التي خلفتها المعارك.

إضافة إلى ذلك، فإن العنوان بصيغته البسيطة يخلو من الزخرفة البلاغية أو الرمزية المعقدة، وهو ما يتناسب مع طبيعة الكتاب نفسه، الذي كُتب بلغة قريبة من الناس، وسعى إلى نقل التجربة الإنسانية بصدق ووضوح. فالبساطة هنا ليست ضعفًا، بل تعبير عن صدق التجربة، وعن رغبة الكاتب في أن تصل شهادته مباشرة إلى القارئ دون حواجز لغوية أو فنية.

وهكذا يمكن القول إن عنوان «مذكرات مسعف» يشكّل مدخلًا دلاليًا مهمًا للنص؛ فهو يعلن منذ البداية أن القارئ أمام شهادة إنسانية حيّة، كتبت من داخل المأساة، وأن الراوي ليس مجرد ناقل للحكاية، بل إنسان عاش تفاصيلها لحظة بلحظة، وسعى إلى تدوينها حتى لا تضيع في زحام الحرب والنسيان.

يتبع..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أكبر هجوم مسيّرات على موسكو... لماذا أصبح النفط الهدف الحقيق


.. نقاش الساعة - أمريكا وإيران.. الحرب تفرض إيقاعها والدبلوماسي




.. نقاش الساعة - ما هو مدى تحمل إيران أمام الضغط العسكري الأمري


.. مساعدات إسبانية تصل كوبا وسط استمرار انقطاع الكهرباء في البل




.. نقاش الساعة - هل يتحول هرمز إلى مقبرة لطموحات ترمب؟