الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حدود القوة عند ترامب وتابعه نتنياهو: بين غطرسة البدايات والبحث عن المخارج

جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي

(Jihad Hamdan)

2026 / 3 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


لم يكن ترامب، ببراغماتيته المعهودة، يتوقع أن تتجاوز طموحاته، المتمثلة في تغيير النظام في طهران وإجبارها على الاستسلام الكامل، حدود الأيام الأولى من المواجهة. لقد بدأت الحرب، التي دخلت يومها الثاني عشر (وهي مدة حرب حزيران 2025) بهجوم جوي كاسح ومباغت على طهران ومدن إيرانية أخرى. في الساعات الأربع والعشرين الأولى، بدا وكأن نشوة الانتصار السريع تسيطر على البيت الأبيض ومكتب رئاسة الحكومة في تل أبيب، خاصة مع توارد الأنباء عن مقتل المرشد علي خامنئي وعدد غير قليل من قيادات الحرس الثوري. كانت الصورة التي سُوقت حينها، بآلة إعلامية ضخمة، هي انهيار وشيك ومحقق للخصم، وأن سياسة الضغط الأقصى قد أثمرت أخيراً.
لكن سرعان ما تبددت سكرة البدايات، واصطدمت النشوة بواقع ميداني عنيد. لقد استوعبت طهران الضربة القاسية بمرونة فاجأت المخططين في واشنطن وتل أبيب، وانتقلت فوراً من الصدمة إلى مرحلة الرد العنيف والتماسك الداخلي المذهل. لم تخرج جموع المحتجين إلى الشوارع، لم تسقط مؤسسات الدولة، لم يلتق ترامب بحكام طهران الجدد الذين قال إنهم يسعون للقائه، بل سارعت طهران إلى انتخاب مرشد شاب هو مُجتبى، نجل خامنئي، وأحلت قادة جدداً وميدانيين محل من قُتلوا، دافعة بدماء جديدة لقيادة المعركة. لم تكتفِ إيران بامتصاص الصدمة، بل تحركت آلتها العسكرية الجبارة مستهدفة القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والأردن والعراق وأربيل، والأهم من ذلك، بدأت بقصف سجادي مرعب استهدف عمق تل أبيب. وبالتدريج بدا وسط تل أبيب يشبه غزة، وصار السجن عقوبة من يصوّر حجم الدمار وينقله إلى العالم.
في خضم هذا المشهد المشتعل، وفي مفارقة درامية، بدأ صوت نتنياهو يخبو تدريجياً. أحلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بتوجيه ضربة قاصمة أصبحت تُدفن يومياً تحت الركام الذي خلفته الصواريخ الانشطارية الإيرانية، لا سيما الباليستية منها كصاروخ خيبر شكن، وفرط لصوتية كصاروخ فتاح الذي تتجاوز سرعته 13 ماخ، خاصة بعد أن فقد آلاف من مواطنيه نعمة السكن والأمان. المعركة التي أرادها سريعة وحاسمة، تحولت إلى استنزاف قاسٍ دون نتائج استراتيجية ملموسة على الأرض. هذا الصمود الإيراني كشف عورة التقديرات الاستخباراتية، فالمخزون الصاروخي الإيراني لم ينفد كما رُوّج، بل بدا وكأنه يتجدد باستمرار. وفي المقابل، تهاوت أسطورة الدفاعات الجوية الصحيونية، إذ لم تعمل منظومة القبة الحديدية وحيتس ومقلاع داود وغيرها بالكفاءة المطلوبة، كما جرى تدمير عدد غير قليل من منظومات ثاد الأمريكية المتطورة المنشورة في غير مكان في المنطقة.
وما زاد الطين بلة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، هو الموقف الدولي البارد الذي أسس لمرحلة قاسية من عض الأصابع. العالم، الذي طالما انقاد خلف الرغبات الأمريكية، بدا غير متحمس لدعم هذا التحالف في مغامرته غير المحسوبة. بريطانيا، الحليف التقليدي، نأت بنفسها عن الصراع، وإسبانيا منعت استخدام القواعد الأمريكية على أراضيها، بينما أظهرت ألمانيا فتوراً واضحاً. هذا العزوف الدولي لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إدراكاً لخطورة الانزلاق نحو هاوية بلا قاع، وهاجسًا مرعبًا من انقطاع إمدادات الطاقة. فالدول الأوروبية، التي تعتمد بشدة على الغاز الطبيعي المسال، أدركت أنّ أي تهديد لمضيق هرمز يعني خنق تدفقات الغاز القطري، وهو ما تُرجم فوراً إلى ارتفاعات فلكية في أسعار الغاز في البورصات الأوروبية، مهدداً القارة بشلل صناعي وبشتاء قارس يصعب تداركه. هكذا تُرك التحالف الأمريكي الصهيوني يواجه مصيره في عزلة خانقة، بينما تراهن طهران على طول النفس وقدرتها على تحمل الألم أكثر من خصومها المأزومين.
وهنا، تفرض معادلة الربح والخسارة، وهي اللغة الوحيدة التي يتقنها ساكن البيت الأبيض، نفسها بقوة على طاولة القرار. الاقتصاد، وهو العصب الحساس في سياسة ترامب وبوصلته الانتخابية، تلقى ضربة موجعة. ففخ النفط لم يعد تهديداً نظرياً، بل واقعاً يترجم بارتفاع جنوني في الأسعار واضطراب في خطوط الإمداد العالمية. عندما تبلغ كلفة أول يومين من الحرب ملياري دولار، وتبدأ عواصم الخليج بالولولة استشعاراً لخطر دمار شامل قد يحرق المنطقة واقتصاداتها، فإنّ هذه الولولة قد تتجاوز حد القلق العابر لتؤسس لتحول جيوسياسي غير مسبوق. لقد استوعبت هذه العواصم الدرس القاسي، وبدأت تفكر بصوت عالٍ في إعادة رسم شكل ارتباطها التاريخي بالولايات المتحدة. إدراك الخليج، وهو يرى المظلة الأمنية الأمريكية عاجزة ومُورِّطة في آن معاً، أن أمنه القومي واستدامة مشاريعه يتطلبان تنويع الشراكات وفك الارتباط التدريجي عن التبعية المطلقة لواشنطن، شكّل صفعة إضافية زادت من عزلة التحالف. أمام هذا المشهد، يدرك ترامب أنّ العائد من هذا الاستثمار العسكري كارثي. بالنسبة لرئيس يقيس الانتصارات بلغة الأرقام والمكاسب المادية، تحولت الغاية من تغيير النظام، ولاحقا طلب التدخل في تعيين المرشد الجديد، إلى كابوس يهدد بإفلاس الخزينة ونسف سردية الازدهار الاقتصادي التي يفاخر بها.
تحت وطأة هذه الانتكاسة، بدأ ترامب يتخبط بوضوح. فبينما يقف أمام عدسات الكاميرات ليكذب حول الإنجازات ويسوق انتصارات الأمس الوهمية، يجد البنتاغون، المؤسسة التي تقرأ الأرقام وتزن الخسائر بعقلانية، مبرراً قوياً لكبح هذا الاندفاع. هذا الصوت العسكري يعزز قناعة ترامب بضرورة البحث المحموم عن مخرج بأقل الخسائر الممكنة، تجنباً للانغماس في حرب أبدية تتناقض مع وعوده.
في النهاية، سيستمر ترامب في استثمار نجاحات الأيام الأولى كدليل على إنجاز المهمة، محولاً هذا المأزق الاستراتيجي، والتراجع الاضطراري عن حافة الهاوية المفتوحة، إلى انتصار بديل. سيقول لجمهوره إنه وجّه الضربة القاصمة ولم ينزلق ببلاده إلى مستنقع الدم، تاركاً حليفه الإسرائيلي يواجه منفرداً عواقب زلزال استراتيجي سيغير وجه الكيان لما بعد الحرب. فهذا التراجع الأمريكي سيكسر، وإلى الأبد، عقيدة الاعتمادية المطلقة على المظلة الأمنية لواشنطن، ويسقط أسطورة التفوق النوعي بعد أن تُركت الجبهة الداخلية عارية أمام الصواريخ. داخلياً، ستشكل مشاهد الدمار في مدن الوسط نهاية حتمية للقيادات السياسية والعسكرية، دافعةً بموجات من الهجرة العكسية التي تضرب صلب العقد الاجتماعي الصهيوني. أما إقليمياً، فستتحول إسرائيل، الضعيفة والمكشوفة، من شريك أمني يُرتجى للتطبيع، إلى عبء استراتيجي تخشى عواصم المنطقة الاقتراب منه، وسط شلل اقتصادي طويل الأمد يفتقد هذه المرة للشيك الأمريكي المفتوح. وهكذا، يُسدل الستار على مغامرة تجاوزت خطوطها الحمراء، مثبتاً أنّ حدود القوة ترسمها حقائق الميدان وصمود الخصوم، لا أمنيات المكاتب وحسابات الغرور.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول اتصال بين ترامب ورئيس وزراء بريطانيا الجديد.. ماذا دار ب


.. ما وراء الخبر - كيف تنظر المقاومة إلى المرحلة الراهنة وما خي




.. -جبل الفأس-.. الهدف الإيراني الذي يتوعد ترمب بتدميره قريباً


.. الإيغاد ترصد تقاربا سياسيا في السودان وتدعو لتنسيق جهود الوس




.. الكويت تستدعي السفير الإيراني وتسلمه مذكرة احتجاج على استهدا