الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مضيق هرمز وأزمة النفط… حين تتحول أربيل إلى عقدة الطاقة في العراق
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2026 / 3 / 12مواضيع وابحاث سياسية
لم يعد الصراع في الشرق الأوسط محصورًا في ساحات القتال أو في سماء الدول المتنازعة، بل باتت خطوط الطاقة والنفط أحد أهم ميادين الصراع الجيوسياسي. وفي خضم التوترات المتصاعدة في المنطقة، ومع تعطل خطوط تصدير النفط عبر الخليج نتيجة إغلاق مضيق هرمز عمليًا، برزت أربيل فجأةً بوصفها إحدى أهم العقد الاستراتيجية في معادلة الطاقة العراقية.
فالتطورات الأخيرة، كما نقلها تقرير موقع المونيتور الأميركي المتخصص في شؤون السياسة والطاقة في الشرق الأوسط، تكشف عن أزمة مركبة تجمع بين السياسة والاقتصاد والتوازنات الداخلية في العراق، حيث تحاول بغداد إيجاد منفذ بديل لتصدير نفطها عبر أنبوب إقليم كردستان المتجه إلى تركيا، في وقت ترى فيه أربيل أن اللحظة السياسية تمنحها فرصة لإعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية مع الحكومة الاتحادية.
أولاً: إغلاق هرمز وتداعياته على العراق
يُعد مضيق هرمز الشريان الأساسي لصادرات النفط الخليجية والعراقية، ويمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية. ومع تصاعد المواجهة الإقليمية واتساع نطاق التوترات العسكرية، أصبح المضيق عمليًا خارج الخدمة بالنسبة لعدد من الدول، الأمر الذي أحدث اضطرابًا كبيرًا في أسواق الطاقة العالمية.
وقد انعكست هذه التطورات مباشرة على العراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على موانئ البصرة لتصدير نفطه. ومع تعطل هذا المسار، باتت بغداد تبحث عن بدائل سريعة لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار إلى ما يقارب 100 دولار للبرميل، وسط تحذيرات من احتمال اندلاع أزمة طاقة عالمية جديدة.
وفي هذا السياق، عاد الحديث بقوة عن أنبوب النفط الممتد من إقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي بوصفه المنفذ الوحيد القادر على تخفيف الضغط عن صادرات العراق النفطية.
ثانياً: أنبوب كردستان… المنفذ الوحيد المتاح
تسعى الحكومة العراقية إلى استخدام أنبوب إقليم كردستان لنقل نحو 200 ألف برميل إضافية يوميًا إلى الأسواق العالمية، وهو ما يمثل خطوة عاجلة لمواجهة الأزمة الحالية.
ويستطيع هذا الأنبوب، في حال تشغيله بكامل طاقته، نقل ما يصل إلى 700 ألف برميل يوميًا، وهو رقم كبير قد يسهم في استقرار جزء من الإمدادات النفطية في الأسواق العالمية.
غير أن هذه الخطوة اصطدمت بعقبة سياسية واقتصادية، إذ رفضت حكومة إقليم كردستان السماح بمرور النفط قبل التوصل إلى تسوية مع بغداد بشأن عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها نظام الكمارك الجديد والقيود المفروضة على تدفقات الدولار.
ثالثاً: أزمة الكمارك والدولار
تتمحور الأزمة الحالية حول الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الاتحادية منذ مطلع عام 2025 لفرض سيطرة أكبر على التجارة الخارجية للإقليم.
ومن أبرز هذه الإجراءات:
تطبيق نظام الكمارك الإلكتروني (أسيكودا)
فرض رقابة أكبر على عمليات الاستيراد
منع استخدام الدولار في التجارة خارج النظام الاتحادي
وقد أدى ذلك إلى تراجع كبير في حركة التجارة بين إقليم كردستان وتركيا، التي تعد الشريك التجاري الأكبر للإقليم.
وتشير بيانات حكومة الإقليم إلى أن حركة الشاحنات عبر الحدود انخفضت بشكل حاد من نحو 3000 شاحنة يوميًا إلى أقل من 300 شاحنة، وهو ما تسبب في ركود اقتصادي ملموس داخل الإقليم.
وبناءً على ذلك، ترى أربيل أن موافقتها على تصدير النفط عبر أنبوبها يجب أن تقابلها مرونة من بغداد في الملف التجاري والمالي.
رابعاً: واشنطن على خط الوساطة
تكشف المعطيات التي أوردها تقرير “المونيتور” أن الولايات المتحدة دخلت بقوة على خط الوساطة بين بغداد وأربيل.
فالهدف الأميركي الأساسي هو ضمان استمرار تدفق النفط العراقي إلى الأسواق العالمية في ظل اضطراب الإمدادات من الخليج.
وقد أجرت واشنطن اتصالات مكثفة مع الطرفين خلال الأيام الأخيرة، حيث تواصل مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية مع ممثلية حكومة إقليم كردستان في واشنطن لبحث سبل التوصل إلى تفاهم سريع يسمح بإعادة تشغيل خط الأنابيب.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تنظر إلى هذا الملف بوصفه جزءًا من معركة أوسع تتعلق بأمن الطاقة العالمي.
خامساً: أربيل وسياسة “النفس الطويل”
تدرك حكومة إقليم كردستان أن الظروف الحالية تمنحها موقعًا تفاوضيًا قويًا.
فمع إغلاق المعابر مع إيران بسبب الحرب، وتراجع القدرة على التصدير عبر الخليج، أصبحت بغداد تعتمد بدرجة أكبر على البنية التحتية النفطية في الإقليم.
ولهذا يتحدث بعض المسؤولين في أربيل عن ضرورة اعتماد “البراغماتية السياسية” في إدارة العلاقة مع الحكومة الاتحادية، بما يضمن تحقيق توازن جديد في الملفات الاقتصادية والمالية.
ويبدو أن أربيل تتبع في هذه المرحلة ما يمكن تسميته سياسة النفس الطويل، أي استثمار اللحظة الاستراتيجية لتعزيز موقعها في المعادلة الاقتصادية العراقية.
خاتمة: النفط بين السياسة والجغرافيا
تكشف هذه الأزمة مرة أخرى حقيقة أساسية في تاريخ العراق الحديث، وهي أن النفط ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو عنصر رئيسي في معادلة السياسة والجغرافيا.
فحين تتعطل الطرق التقليدية للطاقة، تتحول الجغرافيا إلى لاعب سياسي، وتصبح المدن والأنابيب والمعابر الحدودية أدوات في لعبة التوازنات الإقليمية.
وفي هذه اللحظة الحساسة من تاريخ المنطقة، تبدو أربيل وبغداد أمام اختبار جديد:
إما تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء تفاهم اقتصادي مستقر،
أو الدخول في جولة جديدة من الصراع الذي قد يزيد تعقيد المشهد العراقي في زمنٍ تموج فيه المنطقة بأخطر التحولات منذ عقود.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لماذا ينجح طلاب الصين ويفشل طلاب ألمانيا؟ | نيوز زووم
.. إيران تهدد باستهداف موانئ خليجية.. لماذا تهرب من مواجهة أمير
.. موازين - باب المندب.. لماذا يتصارع الكبار على البحر الأحمر؟
.. عبر الخريطة التفاعلية.. علاقة انفجار مدينة جاسك في إيران بحر
.. كيف ا?عادت الحرب على إيران رسم خريطة الطاقة في العالم؟