الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تعطل الاستيراد واختناق السيولة
سهام يوسف علي
2026 / 3 / 12الادارة و الاقتصاد
إن تعطّل تدفق الاستيرادات إلى العراق لا يقف عند حدود نقص السلع أو ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى مسألة أعمق تتعلق بمستويات السيولة داخل الاقتصاد. فالتجارة الخارجية في الاقتصاد العراقي لا تؤدي وظيفة تزويد السوق بالبضائع فقط، بل تلعب أيضاً دوراً أساسياً في تحريك الدورة النقدية داخل السوق المحلية.
تعتمد معظم السلع التي يستهلكها العراقيون على الاستيراد، والتي تصل معظمها عبر موانئ البصرة مروراً بمضيق هرمز،. وعندما تتدفق هذه السلع بصورة طبيعية إلى الأسواق، فإنها لا تمثل مجرد بضائع معروضة للبيع، بل تتحول إلى محرك لتداول النقود داخل الاقتصاد.
فالبضائع المستوردة تمر عبر سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية: الاستيراد، النقل، التخزين، التوزيع، البيع بالجملة، ثم البيع بالتجزئة. وكل مرحلة من هذه المراحل تولّد مدفوعات مالية تشمل أجور العمال وأجور النقل وكلف الخدمات وهوامش الربح التجارية. وبهذا المعنى تتحول السلعة المستوردة إلى وسيط يحرك الأموال بين عدد كبير من الفاعلين الاقتصاديين.
لكن عندما تتعطل حركة الملاحة أو تنخفض الاستيرادات بسبب اضطراب طرق التجارة، فإن هذه السلسلة الاقتصادية تبدأ بالتباطؤ. فالتاجر الذي لا يستطيع جلب بضائع جديدة لن يبيع بالكميات السابقة، ولن يدفع نفس حجم النفقات التشغيلية، كما أن نشاط النقل والخدمات المرتبطة بالتجارة سيتراجع بدوره. ونتيجة لذلك ينخفض حجم المدفوعات التي يضخها القطاع التجاري في السوق.
هنا يظهر الأثر المباشر على السيولة. فالتجارة والاستيراد يمثلان إحدى أهم القنوات التي يتم من خلالها تدوير الدينار داخل الاقتصاد. وعندما تنخفض حركة الاستيراد، فإن كمية النقود التي تتحرك يومياً بين التجار والموردين والعمال والمستهلكين تتراجع، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سرعة تداول النقود في السوق.
ومن منظور الاقتصاد النقدي، لا تتحدد السيولة فقط بكمية النقود الموجودة في الاقتصاد، بل أيضاً بمدى حركتها وتداولها بين الفاعلين الاقتصاديين. فإذا تباطأت التجارة تباطأت معها حركة النقود، حتى لو بقيت الكتلة النقدية الإجمالية مرتفعة.
وهنا تظهر مفارقة اقتصادية واضحة:
قد يمتلك المجتمع كميات كبيرة من النقد، لكن النشاط الاقتصادي يظل ضعيفاً لأن الأموال لا تتحرك بالسرعة الكافية داخل السوق. وتزداد أهمية هذه المفارقة في الحالة العراقية، حيث يعاني الاقتصاد أصلاً من اكتناز كبير للنقود خارج الجهاز المصرفي ،حيث تشير البيانات الى ان 85 ترليون دينار حجم الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي وهي تمتث نسبة 85% من حجم الكتلة النقدية المصدرة والتي تبلغ 100 ترليون دينار. وفي مثل هذا الوضع فإن أي تباطؤ في التجارة يعني أن الجزء المتداول من النقد يصبح أقل، حتى لو بقيت الكتلة النقدية الكلية كبيرة.
أما الأثر السلبي لذلك فيظهر في تراجع النشاط التجاري، وضعف الطلب في السوق، وتعثر بعض الأعمال المرتبطة بالتجارة والنقل والخدمات، فضلاً عن احتمالات ارتفاع الأسعار نتيجة نقص السلع. وهكذا قد يجد الاقتصاد نفسه أمام وضع معقد يجمع بين نقص السلع من جهة وتباطؤ حركة النقود من جهة أخرى.
لذلك فإن أي تعطّل في تدفق السلع عبر الممرات البحرية مثل مضيق هرمز لا يهدد فقط استقرار الإمدادات السلعية إلى العراق عبر موانئ البصرة، بل قد يؤدي أيضاً إلى تباطؤ الدورة النقدية داخل الاقتصاد العراقي. فالبضائع المستوردة لا تغذي رفوف الأسواق فحسب، بل تغذي أيضاً حركة النقود التي يقوم عليها النشاط التجاري والاقتصادي في البلاد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. هل تتحول أزمة هرمز إلى مكسب استراتيجي جديد
.. قراءة اقتصادية.. التصعيد في هرمز يبدد مكاسب صادرات النفط الخ
.. الرئاسي اليمني يتهم الحوثيين بجر البلاد لصراعات إقليمية ويعل
.. الحكومة تبدأ مناقشات وضع برنامج إصلاح اقتصادي وطني بعد مرحلة
.. يستكمل الإصلاحات بعد انتهاء مرحلة صندوق النقد الدولي.. تفاصي