الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ليس كل عوضٍ بديلًا، أحيانًا يعيد الصبر ما ظنناه انتهى

يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)

2026 / 3 / 15
المجتمع المدني


يخطئ كثير من الناس في فهم دعاء العِوَض، فيتصورون أن العوض يعني بالضرورة أن يأتي الله بشيء جديد مكان ما فقدناه، وكأن الحياة تسير دائمًا وفق منطق الاستبدال: شيء يذهب، فيأتي شيء آخر مكانه.
لكن التجربة الإنسانية تقول إن العوض ليس دائمًا بهذه البساطة.
في المال مثلًا، قد يظن الإنسان أن العوض يعني وظيفة جديدة أو مشروعًا مختلفًا، بينما قد يكون العوض الحقيقي في نفس العمل الذي كان فيه، لكن بظروف أفضل أو فرصة لم يكن يراها من قبل.
وفي العلاقات، يعتقد البعض أن العوض يعني شخصًا جديدًا يدخل الحياة، بينما قد يكون العوض في إصلاح ما انكسر بين شخصين كان بينهما ما يستحق أن يُحافَظ عليه.

المشكلة ليست في الدعاء، بل في الطريقة التي يتخيل بها الإنسان شكل الإجابة.
فكثيرون يربطون العوض بالبدائل، بينما يرتبط العوض في معناه الأوسع بإعادة التوازن للحياة.
وربما يعود انتشار فكرة العوض كبديل إلى طبيعة العصر الذي نعيش فيه.
فالكثير من العلاقات اليوم تُدار بعقلية الاستهلاك؛ عندما يتعب الإنسان من شيء يبحث عن بديل أسرع بدل أن يسأل نفسه إن كان هذا الشيء يستحق محاولة أخرى.
هذه العقلية لا تظهر فقط في العلاقات العاطفية، بل في العمل والصداقة وحتى في طريقة تعاملنا مع الفرص.
لذلك أصبح من السهل على الناس أن يظنوا أن العوض يعني دائمًا شيئًا جديدًا، بينما الحقيقة أن بعض الأشياء في الحياة لا يمكن تعويضها بسهولة، لأنها بُنيت على تجربة مشتركة ووقت طويل من القرب.

فأحيانًا يغيّر الله الظروف، وأحيانًا يغيّر القلوب، وأحيانًا يزرع في الإنسان فهمًا لم يكن يملكه من قبل، فيرى نفس القصة بطريقة مختلفة.

ولهذا فإن نية الإنسان وما يتجه إليه قلبه تؤثر في دعائه، لكنها لا تتحكم بشكل العوض نفسه.
فالإنسان يطلب، لكن الله وحده يعلم أين يكون الخير، وكيف يأتي العوض في وقته الصحيح.
وربما هنا يظهر معنى آخر للعوض لا ينتبه له كثيرون، وهو الصبر.

فبعض العلاقات لا تحتاج إلى بديل، بل تحتاج إلى وقت.
وقت يسمح للغضب أن يهدأ، وللفهم أن يكبر، وللقلوب أن ترى الأشياء بوضوح أكبر.

الصبر بين شخصين يؤمنان بأن بينهما حياة يمكن أن تُبنى، ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل شكل من أشكال المسؤولية العاطفية.
فالعلاقات التي تُبنى على الرغبة السريعة قد تنتهي بسرعة، أما العلاقات التي يصبر فيها الطرفان على التعلم من أخطائهما، فهي التي تمتلك فرصة حقيقية للاستمرار.
ليس كل ما يتعبنا يجب أن نغادره،
وأحيانًا يكون العوض الحقيقي هو أن نصبر قليلًا حتى تتغير الظروف، أو حتى نتغير نحن بما يكفي لنفهم بعضنا أكثر.

في كثير من قصص البشر، لم يكن العوض شخصًا آخر ولا طريقًا مختلفًا، بل كان نضجًا جديدًا أعاد ترتيب العلاقة نفسها، أو ظرفًا تغيّر فجعل ما كان مستحيلًا ممكنًا.
ومن هنا يمكن فهم فكرة أعمق في العلاقات الإنسانية:
إن قيمة الأشياء في حياتنا لا تُقاس بوجود البدائل، بل بعمق الأثر الذي تركته فينا.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بميزان القرب؛ ذلك الميزان غير المرئي الذي نقيس به معنى الأشخاص والأشياء في حياتنا.
فبعض العلاقات لا تكون مهمة لأنها الوحيدة في العالم، بل لأنها كانت الأقرب إلى القلب.

ولهذا قد يكون أعظم عوضٍ في حياة الإنسان، ليس أن يأتيه شيء جديد، بل أن تعود إليه بعض الأشياء التي أحبها، لكن بقلبٍ أكثر فهمًا، وصبرٍ أكثر نضجًا، وحياةٍ تعلّمت كيف تحافظ على ما كان يستحق أن يبقى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نادي الأسير الفلسطيني: عسكرة السجون الإسرائيلية تهدد حياة آل


.. هل يواجه نتنياهو خطر الاعتقال في أميركا؟ | #ستوديو_وان_مع_فض




.. اعتقالات وهدم منازل وتشريد عائلة خلال تصعيد إسرائيلي بالضفة


.. تصعيد إسرائيلي في الضفة.. اعتقالات وإخطارات هدم وإحراق مسجد




.. أكاديمي سوداني: نعيش تجارة بملف اللاجئين في السودان