الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عقل عام تحت السيطرة: الإعلام بين الاستقلال المالي والتنويم الجماعي
إكرام فكري
2026 / 3 / 15الصحافة والاعلام
عندما نتساءل عن “لمن تعود ملكية العقل العام؟”، لا نتحدث عن ملكية مادية بقدر ما نتحدث عن القدرة على تشكيل وعينا الجمعي، أي ما نشاهده ونقرأه ونستمع إليه، وما يؤثر في آرائنا وطريقة تفكيرنا تجاه المجتمع والثقافة والسياسة. وهنا يظهر دور المال بشكل جلي: إذ إن إنتاج هذه الرسائل الإعلامية والفنية يتطلب تمويلًا، ومن يمتلك القدرة على توجيه الميزانيات يملك عمليًا القدرة على تحديد ما يصل إلى الناس، وما يُخفى عنهم، وما يُضخّم أو يُهمش. المال إذن ليس مجرد أداة لتغطية التكاليف، بل هو الموجه الخفي للعقل العام.
وتتضح هذه الإشكالية عند مقارنة نموذجين عالميين للإعلام: الأول يعتبره خدمة عمومية تمولها الشعوب مباشرة عبر ضرائب شفافة، ما يضمن استقلالية الإعلام وقدرته على التثقيف الحقيقي. أما النموذج الثاني فيحوّل الإعلام إلى أداة إلهاء وتوجيه، يمولها المال الضخم أو الدعم الحكومي المستتر، حيث تصبح الأولوية للأسماء الشهيرة والواجهات اللامعة، حتى لو لم تمتلك رصيدًا فنيًا أو أكاديميًا حقيقيًا، بينما تُهمش الميزانيات المخصصة للإبداع الحقيقي مثل الكتابة والتحليل السينمائي والاجتماعي.
النتيجة واضحة: الأجيال الصاعدة تنشأ في بيئة إعلامية تعتمد الترفيه والتهريج كوسيلة رئيسية للربح، وتبتعد عن القضايا الجوهرية لمجتمعها. يتحول المواطن هنا من فاعل يفكر نقديًا ويصنع قراراته، إلى مستهلك سلبي يسهل توجيه ذائقته وقناعاته عبر شاشات تُبرمج على قبول الحد الأدنى من الجودة والفكر.
تتجلى هذه المشكلة بشكل أكبر عندما نقارن طرق التمويل: الإعلام الممول مباشرة من المواطن قادر على تقديم محتوى يرفع من مستوى الوعي ويحفز التفكير، بينما الإعلام الممول بالإعلانات أو الدعم الحكومي غير المباشر غالبًا ما يُستثمر لإنتاج محتوى إلهائي يملأ أوقات الذروة بالضجيج والفوضى، بعيدًا عن مواجهة الواقع أو تقديم نقد بنّاء يسهم في رقي المجتمع.
هذا التدبير المالي يكرّس مفهوم “الإعلام الموجه”، الذي لا يسعى لرفع سقف التوقعات الجمالية أو الفكرية، بل للتحكم بالرأي العام، وتوجيه اهتماماته نحو السفاسف. المشاهد هنا يدفع ثمن محتوى يفترض أن يكون غنيًا وجادًا، لكنه يستهلكه بلا فائدة، ويعيش شعورًا بالخيبة والإحباط.
في نهاية المطاف، لا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية حقيقية ما لم يتم فصل رأس المال عن سلطة الإلهاء. جودة الأعمال الفنية والدرامية ليست ترفًا، بل هي حائط الصد الأخير أمام ذوبان الشخصية الوطنية في موجات العولمة التي تجلب محتويات معلبة لا تعكس واقعنا. فإذا لم تُوجَّه الميزانيات لدعم العقول المبدعة والنصوص الجادة، سيبقى الإعلام مجرد أداة لإدارة العقول، يغذي التنويم الفكري بدل أن يرفع مستوى الفكر والثقافة، ويخدم المجتمع نحو آفاق التميز الإنساني.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تصعيد أمريكي إيراني جديد.. هل عادت المواجهة العسكرية؟
.. مواقف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الإنسانية وال
.. واشنطن تعلن انتهاء موجة الضربات ضد عشرات الأهداف العسكرية في
.. الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قاعدة أحمد الجابر بالكويت
.. الدكتور لقاء مكي: الأمير الوالد رسخ نهجا جعل قطر صوتا للمظلو