الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 3 / 16
المجتمع المدني
هذه المرة ليست ككل مرة.
ليس لأن الحكايات في المجتمع تغيرت، بل لأننا ربما تأخرنا كثيراً في تسمية الأشياء بأسمائها. ففي حياة الناس قصص كثيرة تبدأ بالنية الصافية وتنتهي بحيرة طويلة، حيث يقدم الإنسان الصدق كما هو، بسيطاً وواضحاً، ثم يكتشف أن الصدق في كثير من الأحيان يقف أعزل، بينما يمشي المكر في الحياة بثقة المنتصر.
المشكلة ليست في وجود الخلاف بين البشر، فهذا جزء طبيعي من الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المكر إلى أداة تخريب للعلاقات والأعمال معاً. فكم من علاقة إنسانية كانت متماسكة، وكم من شراكة أو مشروع كان يسير بثقة، ثم دخلت بين أطرافه روايات مشوشة، أو كلمات مدروسة بعناية لتغيير مسار الثقة وإضعاف الروابط التي كانت أقوى من أي خلاف بسيط.
وهنا يظهر بوضوح اختلال ميزان القرب.
فالعلاقات في أصلها تقوم على ميزان بسيط: ثقة تقابلها ثقة، ووضوح يقابله وضوح، ونوايا صادقة تبني روابط إنسانية متينة. لكن هذا الميزان يضعف عندما يدخل المكر إلى العلاقة، خصوصاً عندما يأتي على هيئة إنسان قريب أو زميل أو صديق، يتحدث بلغة الود، لكنه في الوقت نفسه ينسج روايات أخرى في أماكن مختلفة.
الأخطر من ذلك أن بعض الأشخاص لا يكتفون بالكلمة العابرة، بل يجيدون ما يمكن تسميته بـ دسّ السم في العسل. كلمات تبدو ناصحة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تزرع الشك بين الناس، وتعيد ترتيب الحكايات بطريقة تجعل القصة المشوهة أكثر انتشاراً من الحقيقة نفسها. هناك دائماً من لا يريد أن يرى اثنين متفقين، أو ناجحين في عمل مشترك، أو حتى سعيدين بعلاقة صادقة. لا يريدون أن يروا القرب يتحقق، لأن وجوده يعرّي زيفهم.
ولهذا نجد في المجتمع علاقات كثيرة لم تنتهِ بشكل واضح، لكنها لم تستمر أيضاً. علاقات توقفت في منتصف الطريق، لا بسبب خطأ واضح بين أصحابها، بل لأن السم تسلل إليها من الخارج. فهناك فئة من الناس يمكن وصفها بالمنافقين اجتماعياً؛ يظهرون الود أمام الجميع، ويتقنون صناعة الصورة الجميلة، لكنهم في الخفاء يزرعون الشكوك ويعيدون صياغة الحكايات بما يخدم حضورهم أو مصالحهم.
وجود هذه النماذج هو ما يجعل ميزان القرب عرضة للاهتزاز. لأن العلاقة مهما كانت قوية، تبقى بحاجة إلى وعي من أصحابها أنفسهم. فالسؤال الحقيقي هنا لا يتعلق فقط بالمكر الموجود حول الناس، بل بكيفية التعامل معه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل يستطيع المحب أن يبقى على هذه الحالة من الصفاء إذا استمر الطرف الآخر، أو البيئة المحيطة بهما، في تهميش مشاعره والتقليل من حقه الطبيعي في التعبير عن حبه؟
وهل يمكن لإنسان أن يقبل أن يتحول صمته مع الوقت إلى نوع من البلادة، وكأنه يراقب ما تبقى من عمره دون أن يقول ما في قلبه؟
ثم إن سؤالاً آخر لا يقل أهمية يطرح نفسه:
هل نحن ضامنون أعمارنا حتى نؤجل البوح، ونؤجل الخطط، ونؤجل تلك الهمسات الصغيرة التي تولد في القلب عندما يجد إنسان إنساناً يشبهه؟
ربما لا جواب واضحاً، كما يتوقع كثيرون.
وهنا تحديداً تظهر ورطة إنسانية حقيقية: أن يوجد إعجاب، وتلاطف، وبذور حب، وشعور بالأمان والاحتواء والاحترام، لكن في المقابل يسكن العلاقة خوف صامت. خوف لا يأتي من المستقبل بقدر ما يأتي من تردد الطرفين أنفسهما، أو من ضجيج البيئة التي تحيط بهما.
وفي مثل هذه الحالات لا تكون المشكلة دائماً في المشاعر، بل في المساحة التي تُمنح لها كي تعيش. فحين تضيق هذه المساحة، يتحول أجمل ما في العلاقة إلى عبء نفسي بدلاً من أن يكون طمأنينة.
ومن منظور التجربة الإنسانية، قد يختار بعض الناس في هذه اللحظة خطوة تبدو قاسية، لكنها أحياناً الأكثر اتزاناً: الابتعاد. ليس لأن الحب لم يكن موجوداً، بل لأن قسوته في بيئة لا تسمح له بالنمو قد تتحول مع الوقت إلى شيء آخر. أحياناً يبتعد الإنسان احتراماً لما شعر به، أو حماية لما تبقى منه، حين يدرك أن الضجيج المحيط بالعلاقة أقوى من هدوئها الداخلي.
ومن هنا تظهر حكمة قديمة في العلاقات الإنسانية: ليس كل ما نعيشه يجب أن نضعه في العلن.
فبعض العلاقات تنمو بهدوء عندما تبقى بعيدة عن الضجيج، وبعض المشاريع تنجح لأنها نضجت في الخفاء قبل أن تُعلن. فالإفراط في كشف التفاصيل أمام الآخرين قد يحول العلاقة أو الفكرة إلى ساحة مفتوحة للتأويل والتدخل، خصوصاً في بيئة اجتماعية لا تخلو من الحسد أو المكر.
ولهذا لا يكون الصمت أحياناً ضعفاً، بل نوعاً من الحكمة التي تحمي ما هو في طور التكوّن. فالقرب الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى إعلان أمام الناس، بل يحتاج إلى ثقة متبادلة تحميه من الضجيج الخارجي.
وهنا يأتي الدور الحقيقي لأصحاب العلاقة أنفسهم. فحين يختل الميزان بسبب تدخل الآخرين، يصبح من الضروري إعادة تقريب ميزان القرب من جديد، والعودة إلى الأصل الذي قامت عليه العلاقة: الثقة المباشرة والكلمة الصريحة بين الطرفين، بعيداً عن الروايات التي يصنعها الآخرون.
إن أكبر خطر يهدد العلاقات في المجتمع ليس الخلاف الطبيعي بين الناس، بل وجود أولئك الذين يعيشون على صناعة الخلاف. أولئك الذين يظهرون اللطف المصطنع، بينما يحملون في داخلهم قدراً كبيراً من الغيرة أو المصلحة أو الرغبة في تعطيل ما لا يستطيعون بناؤه.
وعندما ندرك هذه الحقيقة، يصبح ميزان القرب أكثر وضوحاً.
فالقرب الحقيقي لا يقاس بالكلمات التي تُقال أمام الناس، بل بقدرة العلاقة على الصمود بعيداً عن ضجيجهم.
أما من يراهن على المكر، فقد ينجح في إرباك الحكاية لبعض الوقت، لكنه في النهاية لا يملك القدرة على تغيير الحقيقة. لأن العلاقات التي تقوم على الثقة قد تتأخر في استعادة توازنها، لكنها نادراً ما تخطئ طريقها إلى الحقيقة.
وفي النهاية، قد تبقى بعض الصفحات في حياة الناس مفتوحة، لا لأن الحقيقة غابت، بل لأن الزمن لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. احتجاجات جنوب إفريقيا.. مطالب بترحيل المهاجرين واعتقالات واس
.. تفاصيل اعتقال خلية داعش المسؤولة عن تفجيرات دمشق الأخيرة
.. تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو
.. الخارجية الإيرانية: الاعتداءات الأمريكية انتهاك صارخ لميثاق
.. أخبار الصباح | -سقوطُ الحصانة-.. اعتقال الفضلي بتهمِ فسادٍ ق