الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


“لايفات الزواج” في ضوء القانون الدولي العام: بين حرية التعبير وحماية الكرامة الإنسانية

الشرقي لبريز
ناشط حقوقي اعلامي وكاتب مغربي

(Lebriz Ech-cherki)

2026 / 3 / 16
حقوق الانسان


في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، برزت على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة ما يُعرف بـ“لايفات الزواج”، حيث يتم تقديم نساء في بث مباشر تحت مسمى فرص أو عروض للزواج، مع فتح المجال أمام المتابعين للتفاعل أو المشاركة. ورغم أن هذه المبادرات تُقدَّم أحيانًا باعتبارها وسيلة حديثة للتعارف وتسهيل التواصل الاجتماعي، إلا أن طبيعة بعضها تكشف عن تحول واضح نحو منطق تجاري يقوم على استثمار ظروف اجتماعية حساسة وتحويلها إلى محتوى رقمي يدرّ أرباحًا من خلال المشاهدات والتفاعل والإعلانات.

ومن منظور القانون الدولي العام لحقوق الإنسان، فإن الإشكال لا يكمن في مبدأ التعارف أو البحث عن شريك الحياة، باعتباره حقًا شخصيًا يدخل في نطاق الحريات الفردية، بل في الطريقة التي يتم بها تقديم هذا الحق وتحويله إلى مادة استهلاكية تخضع لمنطق السوق الرقمي. ففي عدد من هذه البثوث المباشرة، يتم تقديم المرأة كعنصر جذب جماهيري أمام جمهور واسع، وهو ما قد يفتح الباب أمام ممارسات تمس بكرامة الإنسان وتؤدي إلى اختزال المرأة في صورة عرض علني قابل للتسويق.

وتؤكد المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على أن الكرامة الإنسانية تشكل أساس جميع الحقوق والحريات. كما تنص الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على ضرورة حماية النساء من كل أشكال الاستغلال أو التمييز، سواء في المجال الواقعي أو الرقمي. وبناء على ذلك، فإن أي ممارسة رقمية قد تؤدي إلى استغلال صورة المرأة أو وضعها الاجتماعي لتحقيق منفعة مادية، تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مدى احترام هذه المبادئ الدولية.

كما أن القانون الدولي يقرّ بمسؤولية الدول في حماية الأفراد من مختلف أشكال الاستغلال، بما في ذلك تلك التي قد تنشأ في الفضاء الرقمي. ويشمل ذلك وضع أطر قانونية وتنظيمية تضمن احترام الكرامة الإنسانية والخصوصية، ومنع تحويل الأفراد إلى أدوات لتحقيق الربح أو الترويج التجاري، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع اجتماعية حساسة مثل الزواج أو العلاقات الأسرية.

وفي السياق الوطني، ينسجم هذا التوجه مع المبادئ الدستورية التي تكرس المساواة بين الجنسين وتحمي الكرامة الإنسانية، كما ينسجم مع الترسانة القانونية المتعلقة بمحاربة الاستغلال والاتجار بالبشر وحماية المعطيات الشخصية. وفي هذا الإطار، يبقى دور السلطات القضائية، وعلى رأسها النيابة العامة، محوريًا في تتبع مثل هذه الظواهر متى توفرت عناصر الاشتباه، بما يضمن تطبيق القانون وصيانة الحقوق الأساسية للأفراد داخل الفضاء الرقمي.

كما حذرت بعض الهيئات الحقوقية من تنامي هذه الظاهرة، معتبرة أن بعض “لايفات الزواج” قد تنزلق نحو منطق التسليع الرقمي، بما يهدد صورة المرأة ويمس بمبدأ الكرامة الإنسانية. ودعت هذه الهيئات إلى ضرورة تحمل الجهات المعنية لمسؤولياتها في مراقبة المحتوى الرقمي والتصدي لكل الممارسات التي قد تؤدي إلى استغلال الأفراد أو تحويل القضايا الاجتماعية إلى تجارة إعلامية.

وفي الختام، يطرح انتشار “لايفات الزواج” إشكالًا قانونيًا وأخلاقيًا يتقاطع فيه الحق في حرية التعبير مع واجب حماية الكرامة الإنسانية. فبين حرية المبادرة في الفضاء الرقمي ومنطق الربح التجاري، يبقى احترام الإنسان وقيمته كغاية في حد ذاته المعيار الأساسي الذي يجب أن يحكم كل ممارسة إعلامية أو رقمية في إطار سيادة القانون ومبادئ حقوق الإنسان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق


.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات




.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف


.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود




.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول