الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
احتجاجات في ذكرى الثورة السورية تحديات وإشكاليات في بناء الدولة الجديدة
عبدالرحمن مطر
كاتب وروائي، شاعر من سوريا
(Abdulrahman Matar)
2026 / 3 / 17
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
لم يكد ينقضي شهران على تحرير الرقة من سيطرة تنظيم قسد، حتى خرج أبناء الرقة وتل ابيض (شمال) الى الشوارع، في احتجاجات واسعة على تسمية سيبان حمو، القائد العام لوحدات حماية الشعب، نائباً لوزير الدفاع، والمرتبط اسمه بجرائم حرب، في الجزيرة السورية، على مدى ما يقارب من عشرة أعوام، تشتمل على القتل والتعذيب، والاعتقال، وتجنيد القاصرين، إضافة الى حفر الأنفاق في المنطقة.
وتتزامن تلك الاحتجاجات، مع الذكرى السنوية الخامسة عشرة لانطلاقة الثورة السورية، في ظل حراك واسع، في المناطق التي كانت تحتلها قسد، وامتدت تلك الوقفات الاحتجاجية الى بلدة الشيوخ في ريف حلب، فيما شهدت مناطق في ريف الحسكة احتجاجات أخرى خلال الفترة الماضية. وذلك في اعتراض واضح وصريح على إعادة إدماج قادة "تنظيم قسد" في المجتمعات المحلية، وتكليفهم بمهام قيادية وإدارية في مواقع عسكرية وامنية أساسية، تطبيقاً لاتفاقية 29 يناير، بين السلطة السورية، وقسد.
دوافع متعددة
في حقيقة الأمر، ان الخروج الى الشارع، يمثل ذروة الاحتجاج المستمر على سياسات السلطات السورية في محافظة الرقة، والمناطق الأخرى في الجزيرة السورية. وقد شكل تعيين سيبان حمو، استفزازاً مباشراً للجمهور، خاصة بعد مناشدات عديدة، من المجتمعات المحلية بعدم فرض شخصيات " كردية " متهمة بارتكاب جرائم ضد الانسانية في المنطقة، وفقاً لتقارير دولية، وشهادات محلية لضحايا الاعتقال والتعذيب والتهجير المتعمد. لكن الأمر لا يتوقف عند هذه النقطة، بل إنه يتعداها، الى التساهل والتغاضي عن استمرار، أو الاستعانة بفلول النظام الأسدي، وأنصار قسد، بالبقاء في مواقع مهمة، في الإدارة المدنية.
وعلى الرغم من التنبيه المستمر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واللقاءات المباشرة مع المسؤولين المعنيين ( محافظ الرقة كمثال) فإن ذلك لم يلق استجابة، وخاصة فيما يتصل بكوادر قسد، أو الأسد، الذين يتم تعيينهم عبر الوزارات المختصة.
وقد شهدت مدن متعددة، مثل الرقة، تل أبيض، والشيوخ، وأريافها، مظاهرات حاشدة مستمرة منذ ايام، وأحداث عنف محدودة، على خلفية تعيين سيبان حمو، وقيام كودار قسدية بالتجول الاستعراضي، ونصب حواجز في مناطق محررة من سيطرتهم. كانت – ولا تزال – تلك أبرز الدوافع المباشرة، في ظل تعتيم إعلامي رسمي.
كوادر محلية
في سياق آخر، يحتج المواطنون، على الاستبعاد المتكرر للكوادر الوطنية المحلية، من الاستشارات، والتعيين بالإدارات، والمواقع الرسمية، على الرغم من تأهيلها العالي، والمتخصص، وخبراتها المعروفة. والذهاب الى تكليف أشخاص من خارج المحافظة، واستبعاد نشطاء الثورة المتخصصين، لصالح أشخاص موثوق بهم، دونما خبرات تذكر، وفقاً لقاعدة " الثقاة، لا الأكفّاء"، الأمر الذي يخلق شعوراً متنامياً لدى المجتمع المحلي، بالإقصاء المتعمد. وتعدّ هذه المسألة، همّاً يومياً يؤرق سكان تلك المدن، وبقدر ما يثير التساؤلات عن فحوى ذلك، فإنه يثير السخرية المرّة، كما حدث في تسمية " رئيس بلدية الرقة " الذي لا ينتمي اليها على الإطلاق، ولا يعرف شيئاً عن تاريخها ومشكلاتها، ما قاد لاحقاً الى استبداله.
الانتخابات التشريعية
خلال الأسبوع الماضي شهدت الرقة، استقالة اعضاء اللجنة الفرعية للانتخابات التشريعية، وتلا ذلك انسحاب ما يقارب 60 عضواً من الهيئة الناخبة، بمن فيهم مرشحين لعضوية المجلس النيابي. تعود أسباب ذلك، الى ما وصفه المنسحبون بـ " انتهاك اللوائح والنظم الأساسية" لقانون الانتخابات، وشروط العضوية والترشح، أي " غياب المعايير الواضحة التي ينبغي أن تحكم تشكيل الهيئة، وضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين ".
وعلى الرغم من الاعتراضات القانونية، التي تقدم بها المواطنون، فإن اللجنة العليا تجاهلت الخروقات القانونية، ما وضع اللجنة الفرعية في موقف المشارك في تلك الانتهاكات، وبدلاً من توضيح الملابسات، استقالت، كي لا تتحمل مسؤولية ذلك. غير أن هذا الأمر، أكد حقيقة التجاوزات، وتورط أطراف معينة في الدفع في اتجاه اللعب بقوائم الهيئة الناخبة، ونشير بذلك بوضوح تام الى اللجنة العليا التي تولّت مهام اللجنة الفرعية، والى إدارة الشؤون السياسية، التي ينظر المجتمع المحلي الى دورها، بحذر وخشية كبيرين من تدخلاتها في الشأن الانتخابي.
في هذا السياق، فإن مسار الانتخابات، يشكل سبباً رئيساً أيضاً على الاحتجاجات.
هيمنة الشؤون السياسية
من المفارقات، أن يوصف أحد اعضاء الشؤون السياسية في الرقة بأنه " المرشد الأعلى "، وهذا في الواقع يشير الى الدور الأساسي الذي تلعبه إدارة الشؤون السياسية، في توجيه كافة مسارات الحياة السياسية / المدنية في الرقة، وفي تدخلاتها المباشرة في كافة الشؤون العامة. يعيدنا دورها الراهن الى فترة التحرير الأولى من ربيع عام 2013، وتشكيلات المجالس المحلية، والتي كانت تتم بتوافق وتنسيق أشبه بالخفيّ من قبل أعضاء بارزين اليوم في إدارة الشؤون السياسية في الرقة، وعلى الرغم من كونهم جزء فاعل في حراك الثورة السورية، فإنهم في حقيقة الأمر جزء من النواة الصلبة لـ " جبهة النصرة " منذ أن أُخضعت الرقة لسيطرتها، وصولاً الى واقع اليوم، حيث يمكن تلّمس وتتبع حضورها في جميع مفاصل الحياة العامة: من التعيينات، الى قوائم الهيئة الناخبة، والنشاط الثقافي والسياسي العام، ومن قبل ذلك في اقتراح المشاركين في الحوار الوطني، وفي كل ما يخص شؤون محافظة الرقة، بما لدى أعضائها من مكانة وحظوة وموثوقية، لدى دوائر صنع القرار، في هرم السلطة السورية.
خلاصة
تعدّ تلك الاحتجاجات، مؤشراً مهماً على حجم التحديات التي تواجها عملية بناء الدولة الجديدة، بعد عام ونصف على سقوط النظام الأسدي. وهي تحديات ناجمة عن السياسات العامة التي تسير عليها السلطة في ظل اتسامها بالغموض العام، والإقصاء والتهميش المتعمدين، سواء للقوى السياسية والاجتماعية، لنشطاء الثورة بصورة خاصة، أو في فرض التصورات والمشروعات التي تقرّها دون اسئناس أو تشاور مع المجتمعات المحلية، بما فيها الانتخابات التشريعية، وما ينطوي على هذه التجربة من اشكاليات متعددة الاوجه.
ولعل ارتفاع وتيرة الاحتجاج بوصولها الى الشارع، وهي سابقة ورائدة، في العهد الجديد، لا ينبغي النظر إليها سوى انها مستمدة من روح الثورة السورية وجمرتها، وأنها تمثل جرس تنبيه وإنذار، يتوجب على السلطات السورية أن تفيد منه، في تمتين مواقفها، وفي تصويب سياساتها، وفي تعزيز / استعادة الثقة مع الجمهور العام، بما يُشكل دعماً متبادلاً للراي العام، والمجتمع المدني المغيّب في الحقيقة عن دوائر صنع القرار على مختلف المستويات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الدولار المحاصر في مضيق هرمز، والضغط الجنوبي على المنظومة ال
.. تراجع اليسار وصعود اليمين يعيدان رسم الخريطة الجيوسياسية لأم
.. تعقيب الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله حول مداخلات ا
.. د. عزوز صنهاجي يستعرض مشاريع ترشيحات الحزب للإنتخابات التشري
.. بنعبد الله يقدم تقرير المكتب السياسي أمام الدورة الثامنة للج