الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أزمة التربية بين البيت والمدرسة
حسين علي محمود
2026 / 3 / 18التربية والتعليم والبحث العلمي
تشهد المنظومة التربوية والتعليمية في السنوات الأخيرة تحولات مقلقة تمس جوهر العملية التعليمية ليس من حيث المناهج أو الإمكانيات فقط بل في بنيتها القيمية والسلوكية. فقد باتت المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها ترفع صوتها محذرة من تفاقم ظواهر الانحراف السلوكي لدى شريحة واسعة من التلاميذ والطلبة في مشهد لم يعد عابراً أو محدوداً بل أصبح ظاهرة متنامية تستدعي وقفة تأمل جادة ومسؤولة.
إن المدرسة التي كانت إلى وقت قريب فضاء للعلم والانضباط وبناء الشخصية أصبحت اليوم تتحمل أعباء تفوق قدرتها ووظيفتها الأساسية.
فهي لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية تنقل المعرفة بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لمعالجة اختلالات تربوية عميقة كان من المفترض أن تبنى جذورها الأولى داخل الأسرة.
فالقيم الأساسية مثل الاحترام، الالتزام، ضبط النفس، تحمل المسؤولية، وآداب الحوار، لم تعد تغرس بالشكل الكافي في البيوت مما يجعل المدرسة في مواجهة مباشرة مع نتائج هذا الفراغ التربوي.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو ما يلاحظه العاملون في الحقل التربوي يومياً من مظاهر مقلقة كعنف لفظي وجسدي لا مبالاة واضحة تجاه العملية التعليمية، ضعف في التركيز، إدمان متزايد على الهواتف والألعاب الإلكترونية، غياب الدافعية، وانفلات سلوكي يعكس أزمة أعمق من مجرد تصرفات عابرة.
هذه السلوكيات ليست وليدة لحظة بل هي نتاج تراكمات طويلة من الإهمال الأسري وغياب التوجيه وانعدام الحوار الحقيقي داخل الأسرة.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل المدرسة وحدها مسؤولية هذا التدهور لأن المؤسسة التعليمية مهما بلغت من كفاءة لا تستطيع أن تعوّض الدور الجوهري للأسرة.
فالتربية تبدأ من البيت حيث يتعلم الطفل أولى قواعد التعامل مع ذاته ومع الآخرين.
وعندما يغيب هذا الدور أو يضعف تصبح المدرسة أمام مهمة شبه مستحيلة، تعليم بلا أساس تربوي.
ورغم هذا الواقع لا بد من الإشارة إلى وجود أسر ما تزال تضطلع بدورها التربوي بكل وعي ومسؤولية وهو ما ينعكس بشكل واضح في سلوك أبنائها داخل المدرسة وخارجها.
هذه النماذج تؤكد أن الخلل ليس قدراً محتوماً بل نتيجة خيارات يمكن تعديلها وإصلاحها.
لكنها للأسف باتت أقلية وسط موجة متسارعة من الانشغال والإهمال وترك الأبناء فريسة لعالم مفتوح دون رقابة أو توجيه.
إن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الوقت بل في غياب الأولويات، فالكثير من الأسر تبرر تقصيرها بضغوط الحياة ومتطلباتها وهو أمر مفهوم إلى حد ما لكن غير المقبول هو أن تتحول هذه الضغوط إلى ذريعة للتخلي عن أهم مسؤولية وهي تربية الأبناء لأن الثمن في هذه الحالة لا يدفع فوراً بل يتراكم ليظهر لاحقاً في صورة أزمات سلوكية وفشل دراسي وربما انحرافات أخطر تهدد مستقبل الفرد والمجتمع.
إلى كل أب وأم إلى كل من له دور في بناء هذا الجيل المدرسة ليست بديلاً عنكم وليست مؤسسة لإعادة التأهيل الاجتماعي بل شريك يحتاج إلى دعمكم الحقيقي.
هذا الدعم لا يكون بالشعارات أو اللوم بل بالمتابعة اليومية، بالسؤال، بالحوار، بوضع حدود واضحة، وبالتواصل المستمر مع المعلمين والإدارة.
إن العلاقة بين الأسرة والمدرسة يجب أن تقوم على التكامل لا التنافر وعلى المسؤولية المشتركة لا تبادل الاتهامات. فنجاح العملية التربوية رهين بهذا التعاون وأي خلل في أحد الطرفين ينعكس مباشرة على المتعلم.
إننا اليوم أمام مفترق طرق إما أن نستمر في تجاهل هذه المؤشرات الخطيرة حتى تتفاقم وتصبح أكثر تعقيداً أو أن نتحمل مسؤولياتنا بوعي ونعيد الاعتبار للتربية كقيمة أساسية تسبق التعليم وتدعمه.
إن إنقاذ المدرسة من الانهيار القيمي ليس مهمة مستحيلة لكنه يتطلب إرادة جماعية تبدأ من داخل الأسرة وتدعم داخل المدرسة وتحتضن من قبل المجتمع ككل.
فالأبناء ليسوا مجرد أفراد داخل الفصول الدراسية بل هم انعكاس مباشر لما نغرسه فيهم من قيم وما نتركه فيهم من فراغ.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم ان تربية الأبناء ليست خياراً يمكن تأجيله بل مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأخير لأن المستقبل الذي نصنعه اليوم في سلوكهم هو ذاته الذي سنعيشه غداً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن انتهاء جولة ثامن أيام الضربا
.. باحث في السياسات الأمنية للجزيرة: أمريكا تستعد لغزو بري فعلي
.. العلاقات الأفغانية الباكستانية عالقة في دائرة لا تنتهي.. فلم
.. عضو كونغرس سابق: استهداف قاعدة الأردن مبرر لتصعيد أمريكي يحر
.. نشرة إخبارية | بعد مقتل جنودها.. أميركا تفتح النار على الحرس