الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية الى قوة وطنية

جعفر حيدر

2026 / 3 / 19
المجتمع المدني


العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية إلى قوة وطنية
بقلم / جعفر حيدر
إن العراق عبر تاريخه الطويل لم يكن مجرد رقعة جغرافية يعيش عليها شعب واحد بملامح متطابقة، بل كان دائمًا فسيفساء حضارية وإنسانية غنية بالتنوع والتعدد، فقد احتضنت أرضه منذ آلاف السنين أقوامًا وثقافات وأديانًا ومذاهب مختلفة، مما جعل المجتمع العراقي مثالًا حيًا لتعايش الهويات المتعددة ضمن إطار وطني واحد، فالعراق يضم العرب والكرد والتركمان والكلدان والآشوريين والأرمن وغيرهم من القوميات، كما يضم المسلمين بمذاهبهم المختلفة من شيعة وسنة، إضافة إلى المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين وغيرهم من المكونات الدينية التي عاشت على هذه الأرض منذ قرون طويلة، وقد شكّل هذا التنوع مصدر قوة وغنى ثقافي واجتماعي، إذ ساهمت كل هذه الأطياف في بناء هوية عراقية مشتركة تشكلت عبر التاريخ من خلال التفاعل والتعاون والتبادل الحضاري بين أبناء المجتمع الواحد، فالعراقيون رغم اختلافاتهم كانوا يشتركون في قيم وعادات وتقاليد متقاربة وفي شعور عميق بالانتماء إلى وطن واحد وتاريخ واحد ومصير واحد، ولذلك كانت فكرة الوحدة الوطنية في العراق تقوم على أساس الاعتراف بالتنوع واحترامه وليس على إلغائه أو صهره بالقوة لأن التعددية بطبيعتها يمكن أن تكون عنصر استقرار وقوة إذا أحسن المجتمع إدارتها ضمن إطار المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم السلام المجتمعي الذي يشكل الأساس الحقيقي لأي وحدة وطنية، فالسلام ليس مجرد غياب للحرب أو توقف للصراعات المسلحة، بل هو حالة من التفاهم والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع الواحد، وهو شعور بالأمان والثقة بين جميع مكونات الأمة، فالأمة القوية هي التي تستطيع أن تجمع أبناءها رغم اختلافاتهم تحت مظلة واحدة من التعاون والتكافل، كما أن فكرة الأمة في معناها الحضاري لا تعني إلغاء التنوع بل تعني وجود رابطة عليا تجمع الجميع في إطار من القيم المشتركة والمصالح العامة، ولذلك فإن بناء السلام بين أبناء الشعب العراقي يتطلب تعزيز ثقافة الحوار والتسامح وقبول الآخر، لأن المجتمع الذي يسوده السلام يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وبناء مستقبل مستقر، كما أن السلام الحقيقي يبدأ من وعي الأفراد أنفسهم عندما يدركون أن الاختلاف في الرأي أو الانتماء لا يجب أن يتحول إلى عداوة أو صراع بل يمكن أن يكون مصدرًا للتكامل والتعاون.
غير أن العقود الأخيرة شهدت تحديات كبيرة أصابت النسيج الاجتماعي العراقي، إذ ظهرت مظاهر التفتت والتشتت والطائفية بشكل أكثر وضوحًا، خصوصًا بعد التحولات السياسية العميقة التي مر بها العراق في بداية القرن الحادي والعشرين، حيث أدت الصراعات السياسية والاضطرابات الأمنية والتدخلات الخارجية إلى تعميق الانقسامات بين أبناء الشعب الواحد، وتحولت بعض الاختلافات الدينية أو القومية إلى أدوات للصراع السياسي والتنافس على السلطة والنفوذ، الأمر الذي انعكس سلبًا على روح الوحدة الوطنية وأضعف الثقة المتبادلة بين فئات المجتمع المختلفة، كما ساهم الخطاب الإعلامي المتشنج وبعض الممارسات السياسية غير المسؤولة في ترسيخ الانقسام الطائفي وإثارة المخاوف المتبادلة، مما أدى إلى ظهور حالة من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع العراقي بحيث أصبح الانتماء الطائفي أو القومي في بعض الأحيان مقدمًا على الانتماء الوطني العام، وهو أمر خطير لأنه يهدد أساس الدولة والمجتمع معًا، فالدول التي تقوم على الانقسامات الحادة لا تستطيع أن تحقق الاستقرار أو التنمية لأن الطائفية بطبيعتها تُضعف الشعور بالمواطنة وتُغذي مشاعر الشك والعداء بين أبناء الوطن الواحد، ومع ذلك فإن معالجة هذه الظاهرة ليست مستحيلة، بل يمكن العمل على تجاوزها من خلال مجموعة من الخطوات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تعيد الاعتبار لفكرة الوطن الجامع، فالعلاج الحقيقي يبدأ أولًا بترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الفرد والدولة بحيث يشعر كل عراقي بأنه متساوٍ في الحقوق والواجبات بغض النظر عن قوميته أو مذهبه أو دينه، كما أن إصلاح الخطاب السياسي والإعلامي يمثل خطوة أساسية في هذا الاتجاه إذ ينبغي أن يتحول هذا الخطاب من خطاب قائم على إثارة الانقسامات إلى خطاب يعزز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع، إضافة إلى أهمية بناء مؤسسات دولة قوية وعادلة قادرة على حماية جميع المواطنين دون تمييز لأن العدالة هي الضامن الحقيقي للوحدة الوطنية، فعندما يشعر المواطن بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع فإن دوافع الانقسام الطائفي تتراجع تلقائيًا، كما أن للتعليم والثقافة دورًا مهمًا في تعزيز روح الوحدة من خلال ترسيخ قيم التسامح والتنوع وقبول الآخر في المناهج الدراسية والبرامج الثقافية والإعلامية بحيث ينشأ الجيل الجديد وهو يدرك أن اختلاف الهويات داخل المجتمع ليس تهديدًا بل مصدر ثراء حضاري وإنساني، إن التجربة العراقية عبر التاريخ تؤكد أن المجتمع العراقي يمتلك قدرة كبيرة على تجاوز الأزمات واستعادة تماسكه، فقد مر العراق بمحن كثيرة عبر العصور لكنه ظل قادرًا على النهوض من جديد بفضل قوة الروابط الاجتماعية والثقافية التي تجمع أبناءه، ولذلك فإن المستقبل الأفضل للعراق يعتمد على قدرة أبنائه على إعادة بناء الثقة فيما بينهم وتغليب الهوية الوطنية الجامعة على الهويات الفرعية الضيقة، فالوطن لا يمكن أن يُبنى إلا بتكاتف جميع مكوناته، ولا يمكن أن ينهض إلا عندما يدرك الجميع أن تنوع العراق ليس سببًا للانقسام بل مصدر قوة، وأن الوحدة الوطنية والسلام بين أبناء الأمة ليسا مجرد شعارات بل ضرورة تاريخية وحضارية لضمان استقرار الدولة وتحقيق التنمية وبناء مجتمع يسوده التعاون والعدالة والاحترام المتبادل بين جميع أبنائه دون استثناء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق يغيّر قواعد مكافحة الفساد.. ماذا بعد القرار القضائي ا


.. الضفة تحت نار المستوطنين والاحتلال.. هجمات واعتقالات متواصلة




.. احتجاجات جنوب إفريقيا.. مطالب بترحيل المهاجرين واعتقالات واس


.. تفاصيل اعتقال خلية داعش المسؤولة عن تفجيرات دمشق الأخيرة




.. تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو