الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
رسالة إلى قاتلي..
جعفر حيدر
2026 / 3 / 19سيرة ذاتية
بقلم / جعفر حيدر
في يومٍ من الأيام سوف تقف والدتي مرفوعةَ الرأس بقتلي، لأني أحدُ الأشخاص الذين دافعوا عن وطنهم بضراوة، وسوف يقف والدي بذلك العقال الشهم، المهيب، الشجاع، ويقول أمام أبناء عمومتي بفخرٍ لا يُضاهى: أنا من ربّيته على حب الوطن، وستعلو تلك الابتسامة المهيبة التي تفرض سطوتها على الجميع، كأنها راية لا تنكسر، وسيقف إخوتي مع أخواتي، يتطلعون إلى مقالاتي، يقرأونها ببطء، ويتساءلون بدهشةٍ ممزوجة بالألم: كيف فعل هذا بهم؟ كيف استطاع أن يكون كل هذا الصوت وحده؟
لم تكتفوا بسرقة وطني أيها الأوباش، بل سرقتم حتى روحي، وسلبتم مني حق الحياة، وأعلنتم ولاءكم ووفاءكم كالعبيد والجواري لإيران، وبعتم ضمائركم بثمنٍ بخس، وأنا تحت التراب، سأرى أصدقائي يخطّطون على قبري، يرسمون بأصابعهم الملطخة بالحزن طريقاً لأخذ ثأري بطريقةٍ ما، وكأي نهاية روايةٍ مبتذلة، سيُقتضب خبر وفاتي، وسيقولون: توفّي بجلطةٍ قلبية، أو دماغية، أو ربما صدمه حيوانٌ هارب على الطريق السريع، وتنتهي حياتي بجملةٍ باردة، ويُنسى أن موتي كان مُدبّراً من مجموعة عبيدٍ للأحزاب الإسلامية التي سرقت وطني باسم الدين..!
لم ولن تكونوا سوى عبيد، وستظلّون كذلك، مهما لبستم من أقنعة، سوف يراودكم حلمي كل ليلة، يطرق عقولكم كالكابوس، وعندما تستيقظون وتغسلون وجوهكم بالدم أمام المرآة، وتفتحون أعينكم المرتجفة، سترونني شامخاً حتى في رؤاكم، وسترون حبيبتي وهي تعاتبكم كل يوم، بصوتٍ مكسور: لماذا قتلتموه؟ بأي ذنبٍ أُريق دمه؟ هل هي غيرة الرجال من بعضها أم هي نجاسة تسكن أرواحكم؟
إنها تعلم أنني سوف أموت، لكنها لا تعلم متى، وأول من رأى تلك التهديدات وبكى كانت حبيبتي، لم تتمنَّ سوى أن نجتمع في بيتٍ تحت سقفٍ واحد، بيتٍ صغيرٍ ربما، لكنه دافئٌ بما يكفي ليحمينا من هذا العالم القذر، ولم ترَ حتى في أحلامها أنها ستراني في قبري فقط، أن تتحول ضحكاتنا إلى ذكرى، وأحاديثنا إلى صدى، تلك هي آخر أحزان عائلتي بعد موتي، ولعلهم سيجزعون من البكاء عليّ، لكن فليعلموا أنني قد متُّ شهيداً فداءً للوطن، فداءً للأرض التي لن تتنجس بأقدام اليهود والأمريكان والمجوس، فلعنتي عليهم جميعاً، وعلى كل من دنّس هذه الأرض، وسوف يعاني قاتلي من أرقٍ في النوم، وتعسّرٍ في الحياة، وسلسلةٍ من المصائب التي ستنزل عليه بسبب لعنتي، لعنتي التي لن تفارقه، ستلاحقه في يقظته ومنامه، في صمته وصراخه.
لعنتي على كل من حارب بلادي بالفكر والسلاح، وقتل إخوتي، لن تُلقّح تلك الأرض بغير اللغة العربية، اللغة التي أكتب بها روحي قبل كلماتي، اللغة التي حاولوا خنقها لكنها بقيت حيّة فينا، إن موتي سيكون رسالةً خالدة للشباب من بعدي، كما كانت رسائل الأولين من قبلي، كتبت الكثير من مواجع وطني بأحرفي العربية، طمعاً بالسلام، بالمواطنة، بالتعددية، بكسر الطائفية، بالسير نحو أمةٍ عراقيةٍ واحدة، لا تُباع ولا تُشترى، أمةٍ تعرف نفسها جيداً، ولا تنحني.
ولعل آخر أنفاسي، بين يدي عزرائيل، تُزهق بالحق والإصلاح، ولعلي أكون قد قلت ما يكفي قبل أن أغادر، فكم كنت في حياتي وحيداً، وكم حاولت أن أبدو قوياً وأنا أتهشّم من الداخل، يا إلهي، رغبةٌ أخيرة: أن أُدفن قرب أضرحة القديسين من الشهداء، وأن توضع زجاجة بيرة في كفني، لعلّي أشرب منها وأنسى ما أصاب أهلي بسببي، فقد كنت وحيداً، وهم أصبحوا وحيدين الآن بغيابي، ذلك العاهر الذي قتلني سوف يندم كثيراً على موتي، لأني الوحيد الذي طالب بحقه، رغم تمرّده وقتلي، رغم كل شيء، بقيت أقول: هذا وطني ولن أتركه.
لن أكتب في وصيتي أن تأخذوا بثأري، لن أطلب الدم مقابل الدم، بل خلّدوني في ذاكرتكم، في أقلامكم، في أصواتكم، اجعلوا اسمي فكرة، لا مجرد ذكرى، أردت أن أخلد فقط، تلك كانت رغبتي في الحياة، وهي نفسها رغبتي في الممات، أن أبقى، لا بجسدي، بل بما قلت وما آمنت به، وبلّغوا حبيبتي أن تنسى كل ما حدث، أن تبدأ بكتابة روايةٍ جديدة، تعيد بها حياتها كما كانت قبل أن آتي إليها، قبل أن أجرّها إلى هذا الحزن الطويل، وأخبروها أيضاً… أني أحببتها، أكثر مما كانت تتخيل، وأكثر مما استطعت أن أقول.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حزب الله أمام اختبار جديد.. ماذا يحدث في روما؟ | #ستوديو_وان
.. تصعيد عسكري في هرمز.. اشتباكات بين واشنطن وطهران
.. تفشي إيبولا يخرج عن مسار التتبع.. وتحذيرات من اتساع رقعة الع
.. الجيش الكويتي: الدفاعات الجوية تتصدى لهجمات طائرات مسيرة معا
.. واشنطن والرهان على الحصار البحري لزيادة الضغوط على طهران