الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تسموا المبادئ فوق كل شيء

جعفر حيدر

2026 / 3 / 20
قضايا ثقافية


بقلم / جعفر حيدر
حين نتحدث عن المبادئ فإننا لا نتحدث عن كلمات تُقال في الخطب أو شعارات تُرفع في الشوارع، بل عن منظومة قيمية عميقة تُشكّل جوهر الإنسان والمجتمع، إذ لا يمكن لأي أمة أن تنهض ما لم تجعل من العدالة والمواطنة والسلام ركائز ثابتة في سلوكها اليومي قبل أن تكون عناوين سياسية، وفي العراق تحديداً تبدو هذه المبادئ وكأنها معركة يومية يخوضها الفرد أمام واقع معقّد تتنازعه الولاءات الضيقة والنزاعات العشائرية وسطوة السلاح المنفلت، فالسعي نحو العدالة لا يتحقق بمجرد المطالبة بها، بل يتطلب وجود مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء، وهذا ما يصطدم بواقع انتشار الفصائل والميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، فتغتال الصوت الحر وتُرهب كل من يحاول أن يرفع صوته مطالباً بوطن يسوده القانون، وهنا تصبح المواطنة مفهوماً هشّاً إذا ما تم استبداله بالانتماء العشائري أو الحزبي أو الطائفي، إذ نرى النزاعات العشائرية تتحول إلى ساحات اقتتال تُهدر فيها الأرواح لأسباب قد تكون تافهة، بينما تغيب الدولة أو تُقصى عن أداء دورها الحقيقي، فتتكرس ثقافة الأخذ بالثأر بدل الاحتكام إلى القضاء، ويصبح السلام حلماً مؤجلاً لا واقعاً معاشاً، أما الاغتيالات التي طالت ناشطين وإعلاميين وأصحاب رأي فهي ليست مجرد حوادث معزولة بل مؤشر خطير على انهيار منظومة الحماية القانونية، إذ يتم إسكات كل من يحاول كشف الفساد أو المطالبة بالإصلاح، ما يخلق بيئة من الخوف تُجبر الكثيرين على الصمت أو الهجرة أو الانكفاء، ومع ذلك فإن تطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع ليس مستحيلاً إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية، فالبداية تكون بإعادة هيبة الدولة عبر حصر السلاح بيدها بشكل فعلي لا شكلي، ومحاسبة كل من يتورط في العنف أو الاغتيالات مهما كان انتماؤه، ثم تعزيز دور القضاء ليكون مستقلاً وقادراً على إنصاف المظلومين بعيداً عن الضغوط السياسية والعشائرية، إلى جانب نشر ثقافة المواطنة من خلال التعليم والإعلام بحيث يُربّى الفرد على أن حقوقه وواجباته تنبع من كونه مواطناً لا تابعاً، كما أن معالجة النزاعات العشائرية تتطلب تفعيل القانون وفرضه بحزم مع دعم مبادرات الصلح المجتمعي التي تقوم على العدالة لا المجاملة، أما مواجهة ظاهرة الاغتيالات فلا تتم إلا عبر كشف الجناة بشكل شفاف وتقديمهم للعدالة، لأن الإفلات من العقاب هو ما يغذي استمرار هذه الجرائم، وفي نهاية المطاف فإن المبادئ لا تنتصر بالكلام بل بالفعل، ولا تُحمى إلا حين يتحول الإيمان بها إلى موقف يومي يُترجم في رفض الظلم والسكوت عنه، فإما أن يكون الإنسان جزءاً من ترسيخ العدالة والسلام، أو يكون بصمته شريكاً في استمرار الفوضى التي تلتهم الوطن قطعة بعد أخرى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجزائر ومالي.. هل انتهت الأزمة؟ | مسائية


.. أمريكا - إيران: هل تعود الحرب من جديد؟ • فرانس 24 / FRANCE 2




.. ترامب يعيد فرض الحصار على إيران ويكشف مصير مجتبى خامنئي | #ا


.. عبر الخريطة التفاعلية.. استعدادات أمريكية لفرض الحصار البحري




.. كايا كالاس: حرية الملاحة يجب أن تحترم وألا تفرض أي رسوم على