الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟

محمد وهاب عبود

2026 / 3 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


لا تعني بالضرورة نهاية الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران انبلاج فجر جديد، بقدر ما ستكون هدنة صامتة يلتقط فيها الطرفان بل وحتى العالم أنفاسه قبل حالة النسف الشامل ، فالحروب في هذه الربوع (الشرق الاوسط) لا تنتهي بتوقيع معاهدة ولا برفع علم النصر، هي تتراجع إلى الظلال متحولة من صراع الجيوش إلى صراع النفوس الباقية فوق ركام الذاكرة.

وبينما يراقب الجميع عن كثب المشهد الميداني المترامي الأطراف في الخليج وفلسطين ولبنان وسوريا والاردن والعراق، ثمة ادراك بان الواقع إزاء معادلة تاريخية معقدة تتجاوز الحسابات السياسة التقليدية لتنفذ إلى دهاليز الفلسفة الوجودية للواقع العربي المعاصر.
إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم اكثر من محاولة إعادة ترسيم للحدود السياسية، هو بمثابة تداخل جراحي كبير في الجسد الجيوسياسي دون تخدير، هو مشاريع دموية يتم حقنها في المنطقة على شكل جرعات. فالحرب الجارية بكل ما تحمله من دمار هائل ودماء قد فتحت جرحا غائرا في مفهوم الدولة نفسه. فالدولة القوية التي طالما تغنت بها النخب لم تكن سوى أسطورة تتهاوى أمام أول امتحان حقيقي لتفضح هشاشة البنية التحتية ليس للمباني والجسور والطائرات والصواريخ فحسب، وانما للمؤسسات وللقوانين الدولية والأخلاق الانسانية والهويات والانتماءات الوطنية.
من العبث الحديث عن عيد قادم في ما بعد الحرب لأن الحروب حين تنتهي في الشرق الأوسط لا تترك فائزا ومهزوما بمفهومهما الكلاسيكي، بل تصنع مشهدا دراميا الكل خاسر، والرابح الوحيد هو الموت والدمار الذي يربح كل رهاناته. ثم سرعان ما تتحول الحرب وخطاباتها إلى سقف عال لا يستطيع أحد تجاوزه ليصبح الانتقام تبرير لكل الأخطاء المقبلة وكل الاستبدادات القادمة باسم المرحلة الانتقالية.

وفي هذا السياق تتبدى الحقيقة المرة المتمثلة في أن ما بعد الحرب لا يعني بالضرورة البناء، ففي كثير من الأحيان تطغى الهيمنة والاحقاد والنتقام والجهوزية لجولة جديدة من العراك الدموي، فالمشرق العربي وربما العالم اجمع مقبل على حقبة أشبه بتلك التي وصفها الفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر في كتابه الشهير "انحطاط الغرب"، حيث يسود القانون الغابي، وتصبح القوة هي المعيار الوحيد للحق وتغدو الدبلوماسية مجرد غطاء لتقاسم النفوذ على جثث المدن المهدمة. ومع تراجع نفوذ هذل الطرف، وصعود هيمنة ذاك الطرف إقليميا ودوليا، يجد الإنسان العربي نفسه محاصرا بين املاءات "المنتصر" او انتظار انتقام "المهزوم" بعد حين.

قراءة المشهد القادم تفرض التخلي عن نظرة السطحية السياسية التي تتوقع تدخلا خارجيا منقذا أو قمة عربية طارئة تضع الامور في نصابها، فالعالم اليوم منشغل بإعادة بناء نظامه الخاص، والشرق الأوسط بالنسبة له ليس سوى حوض صرف صحي يجب تأمين حدوده لمنع الفيضان. وإذا كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس قد قال يوماً: ان الحرب هي أصل كل شيء، ففي الشرق المكلوم يمكن القول إن الحرب هي نهاية كل شيء وبداية لحقبة من الوحشية المقنعة بمساحيق الديمقراطية أو المقاومة، وهي حقبة لا مكان فيها للحالمين، هي فقط للمنتفعين الذين يقتاتون على أوجاع النكبة، عازفين على وتر الطائفة والمذهب والقبلية ليضمنوا بقاءهم في مواقعهم المحاطة بأسوار من الخوف والريبة.

إن "عالم ما بعد الحرب" سيكون صحراء قاحلة تتناثر فيها الواحات فقط لمن يملك ثمن الدخول، عالم يتطلب نزع أقنعة الأمل الزائف والنظر بوضوح وجرأة ، فلا خلاص دون الاعتراف بان العرب محاصرين باطماع وشهية شرسة لا تعرف الاشباع، فيما العرب ما زالوا محشورين داخل متاهات بالية رثة صنعوها بانفسهم، وما الحروب ليست سوى انعكاس لفشل حكومات العرب في تحويل الذات العربية من كائن متعصب ورجعي، إلى انسان مدني يؤمن بالعقلانية الضامنة لحد أدنى من التعايش والمواطنة والصانعة لواقع عربي محصن ومجهز بالمخرجات الحضارية الراهنة ومشارك فاعل في صناعتها.

دكتور محمد وهاب عبود - باحث وأكاديمي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غارات جوية على مطار صنعاء باليمن.. وميليشيا الحوثي تتوعد بال


.. واشنطن تضغط للسيطرة على هرمز وطهران ترفض أي تنازل




.. المتحدث باسم قوات التحالف: الدفاعات الجوية السعودية تعاملت م


.. كيف رسخ الأمير الوالد دعم قطر التاريخي للقضية الفلسطينية؟




.. ترمب: أمريكا ستكون حامية مضيق هرمز ولكن سيتم تعويضنا بنسبة 2