الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين القرار والقلب: كيف يصنع -ميزان القرب- مصير الحب في واقعٍ مضطرب
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 3 / 22
قضايا ثقافية
ليس الحب معادلةً قائمة على الأخذ بقدر ما نعطي، ولا صفقةً مشروطةً بردٍّ مماثل لما نبذله من مشاعر. فالحب، في جوهره، فعلٌ إنسانيٌّ حرّ، يتجاوز فكرة المقابل، ويقترب أكثر من كونه قرارًا وجوديًا يضع الإنسان نفسه فيه على المحك. ومن هنا، لا يكون السؤال: "هل نعطي لنأخذ"” بل: "هل نحن مستعدون لنكون في هذا الطريق بكل ما فيه؟". إذ ليس من الضروري أن يتساوى الطرفان في مقدار الحب، لكن العبرة الحقيقية تكمن في ذلك القدر المشترك من الخوف على بعضهما، وفي تلك المساحة التي يلتقي فيها الاثنان على احتمال الاستمرار، ولو كنسبة صغيرة تحمل في داخلها وعدًا مؤجلًا بأن يصبح هذا اللقاء قدرًا مكتملًا بإذن الله.
في "الصفحة التي تركناها مفتوحة"، لا يُقدَّم الحب بوصفه حكاية فردية بين شاب وفتاة، بل كمرآة لواقع اجتماعيّ واسع، يعيش فيه آلاف الشباب تجارب مشابهة، تتقاطع فيها المشاعر الصادقة مع شروط الحياة القاسية. فالحب هنا لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي الذي قد يعيق اكتماله، ولا عن البُنى الاجتماعية التي قد تفرض حدودًا عليه، ولا حتى عن القرارات الفردية التي تُتخذ أحيانًا تحت ضغط العائلة أو المجتمع. وهنا يظهر "ميزان القرب" بوصفه أداةً لفهم هذا التعقيد؛ إذ لا يقيس فقط مقدار الحب، بل يزن القدرة على الاستمرار، وعلى تحويل المشاعر إلى أفعال قابلة للحياة.
إن الخوف من الحب ليس ضعفًا، بل إدراك عميق لثقل هذا القرار. فالحب ليس حالة عابرة، بل التزامٌ طويل، يجرّ خلفه مسؤوليات نفسية وعاطفية قد تكون مرهقة، لكنه في الوقت ذاته يمنح معنىً لا يمكن تعويضه. ومن يختار الحب، إنما يختار أن يعيش بكل ما فيه من قلقٍ وتفكيرٍ زائد، من أملٍ وانكسار، من اقترابٍ وابتعاد. وهنا تتجلى الشجاعة الحقيقية؛ أن تمضي في طريقٍ تعلم مسبقًا أنه ليس سهلًا، لكنه يستحق.
وعندما ننظر إلى القرارات الكبرى في العالم، السياسية منها أو العسكرية، نجد أنها في جوهرها لا تخرج عن كونها قرارات تُتخذ تحت ضغط الواقع، وقد تُراجع أو تُلغى إذا فشلت. لكن المفارقة أن قرارات القلب لا تعمل بالمنطق ذاته؛ فلا وجود لانسحابٍ كامل من تجربة حقيقية عاشت في أعماقنا. قد نبتعد، قد نصمت، قد نؤجل، لكن الأثر يبقى، والصفحة تظل مفتوحة، تنتظر لحظةً أخرى تُستأنف فيها الكتابة. وهذا ما يجعل الحب مختلفًا عن كل أشكال القرار الأخرى؛ فهو لا يُقاس بنتائجه فقط، بل بقدرته على البقاء فينا حتى بعد أن تتغير الظروف.
في هذا السياق، تصبح لحظة التردد أو "أخذ النفس" التي قد يعيشها أحد الطرفين، ليست انسحابًا بقدر ما هي محاولة لإعادة ترتيب الداخل. فحين قالت: "أتمنى أن ينتهي كل ما تفعله لي بزواجنا"، لم تكن تعلن شرطًا بقدر ما كانت تعبّر عن أملٍ مشروع، عن رغبة في تحويل هذا الحب من حالة شعورية إلى واقعٍ مستقر. وحين تراجعت قليلًا، ربما لم يكن ذلك رفضًا، بل محاولة لحماية هذا الأمل من الانكسار تحت ضغط الاندفاع أو تزاحم الأفكار.
وفي امتداد هذا الفهم، لا يمكن للحب أن يستقيم دون شراكة حقيقية في اتخاذ القرارات المصيرية؛ فالعلاقة التي يُترك فيها أحد الطرفين وحيدًا في مواجهة اختياراته الكبرى، هي علاقة يختل فيها ميزان القرب مهما بلغت قوة المشاعر. إن الرجل، في ظل صعوبة الواقع العملي وتشابك ضغوط الحياة، لا يستطيع أن يقف دائمًا بثبات دون سندٍ عاطفي وفكري، دون امرأةٍ يشعر معها بأنها حاضرة في تفاصيله، في سؤاله قبل قراره، في عاطفتها التي تُخفف عنه، وفي مشورتها التي تُضيء له الطريق. وكذلك هي، لا تكتمل طمأنينتها إلا بشريكٍ يُشركها في القرار، لا يُملي عليها، بل يمضي معها.
إن هذا التشارك لا يُعد ترفًا عاطفيًا، بل هو من صميم قوة العلاقة ومتانتها؛ لأنه يحوّل الحب من شعورٍ داخلي إلى بنيةٍ قائمة على التفاهم والاتكاء المتبادل. وهنا، يتجلى المعنى الأعمق لذلك الاتفاق الصامت: ألا ينتهي يومٌ بينهما إلا وهما على صلح، على وئامٍ لا تشوبه قطيعة، وعلى أُلفةٍ لا يستطيع العالم، مهما اشتدت قسوته، أن ينتزعها منهما. فالحب الذي يُصان بالحوار، ويُحمى بالمشاركة، هو وحده القادر على الاستمرار، وهو الأقرب لأن يتحقق واقعًا لا يُغلق صفحته، بل يواصل الكتابة فيها بثبات.
إن الحب، في نهاية المطاف، ليس وهمًا ولا حالةً مثالية، بل مشروع حياة، يتقاطع فيه الشخصي مع الاجتماعي، والعاطفي مع الاقتصادي، والذاتي مع العام. ومن يفهم الحب على هذا النحو، يدرك أن الصفحة التي تُترك مفتوحة ليست علامة نقص، بل دليل حياة؛ لأن ما يُغلق تمامًا، ينتهي، أما ما يبقى مفتوحًا، فيحمل دائمًا احتمال العودة، وإمكانية الاكتمال، حين تتوازن الكفة في "ميزان القرب"، ويصبح القرار، بكل شجاعته، قابلًا لأن يتحقق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟
.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟