الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صحافة المواطن: حرية التعبير أم فوضى المعلومات؟
هدى زوين
كاتبة
(Huda Zwayen)
2026 / 3 / 22
الصحافة والاعلام
لم تعد الكاميرا حكرًا على الصحفي، ولا المعلومة حبيسة غرف الأخبار. بضغطة زر، صار أيّ فرد قادرًا على أن يوثّق حدثًا، ينشر رأيًا، ويصنع تأثيرًا يتجاوز أحيانًا تأثير المؤسسات الإعلامية الكبرى. هكذا وُلدت ما يُعرف بـ"صحافة المواطن"، كظاهرة فتحت أبواب التعبير على مصراعيها، لكنها في الوقت ذاته طرحت أسئلة خطيرة حول الحقيقة والمهنية والمسؤولية.
من حيث المبدأ، تمثل صحافة المواطن انتصارًا لحرية التعبير وكسرًا لاحتكار المعلومة. لقد أسهم المواطنون في كشف انتهاكات، توثيق كوارث، ونقل وقائع كانت ستظلّ مخفية لولا عدسة هاتف أو منشور عفوي. هذا الشكل من الإعلام منح الصوت لمن لا صوت لهم، وحرّر الخبر من القيود الجغرافية والسياسية والبيروقراطية.
لكن الوجه الآخر للصورة لا يقلّ خطورة. فغياب المعايير المهنية، وعدم التحقق من المصادر، وسهولة التلاعب بالصورة والمعلومة، حوّل منصات التواصل إلى فضاء خصب للشائعات، والتضليل، وصناعة الذعر الجماعي. في كثير من الأحيان، تنتشر الأخبار الكاذبة أسرع من الحقيقة، لأنها تخاطب الغرائز والعاطفة لا العقل.
المشكلة لا تكمن في المواطن الصحفي بحد ذاته، بل في غياب الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وضعف التشريعات الضابطة، وتراجع دور المؤسسات المهنية في استعادة ثقة المتلقي. حين يتحول كل مستخدم إلى "ناشر"، يصبح السؤال: من يحاسب؟ ومن يضمن حق المجتمع في معرفة دقيقة لا مشوّهة؟
لقد أفرزت صحافة المواطن واقعًا إعلاميًا هجينًا، تتداخل فيه الشهادة الصادقة مع التضليل المقصود، والنقل العفوي مع الأجندات الخفية. وبين حرية التعبير وفوضى المعلومات، يقف المتلقي حائرًا، يبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الأصوات والصور.
الحل لا يكون بقمع حرية النشر، بل ببناء وعي نقدي لدى الجمهور، وتعزيز التربية الإعلامية، وتفعيل قوانين تحمي المجتمع من الكذب المتعمّد دون خنق الرأي الحر. كما تقع على المؤسسات الإعلامية مسؤولية احتضان المحتوى الشعبي وتدقيقه بدل تجاهله أو محاربته.
ليست صحافة المواطن معركة بين حرية وفوضى، بل اختبار لوعي الإنسان نفسه. فإما أن نرتقي بالكلمة إلى مقام الشهادة، أو نتركها تنحدر إلى مستنقع العبث والتضليل. في زمنٍ لم تعد فيه الحقيقة تُبحث، بل تُزاحَم، يصبح الصمت عن الكذب مشاركة فيه، ويغدو الوعي مسؤولية جماعية لا ترفًا ثقافيًا. لسنا بحاجة إلى مزيد من المنصّات، بل إلى ضمائر يقِظة، وعقول ناقدة، وقوانين عادلة تحمي الحقيقة دون أن تخنق الصوت الحر. فالكلمة حين تفقد أخلاقها، تتحول من نورٍ يهدي إلى نارٍ تحرق، ومن رسالة وعي إلى أداة فوضى. وهنا تحديدًا يُصنع مستقبل الإعلام… إمّا بوعي يُنقذ الحقيقة، أو بفوضى تُغرقها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تصريحات غير مسبوقة من ترامب وعون.. ماذا ينتظر لبنان؟ | #الظه
.. شبكات | صراصير لإنقاذ البشر.. ما قصة -السايبورغ- الياباني؟
.. موازين | السودان.. صراع الجغرافيا والنفوذ وخطر التقسيم
.. الهجرة العكسية تتصاعد في إسرائيل وسط تدهور أمني وأزمة معيشية
.. أزمة مالية خانقة تهدد الجاهزية العسكرية للجيش الأمريكي بسبب