الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يغيب الحياد…

خالد خالص

2026 / 3 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


في كل نقاش جاد ومسؤول، يفترض أن يكون الهدف هو البحث عن الحقيقة، أو على الأقل الاقتراب منها. غير أن واقعنا اليوم يكشف عكس ذلك؛ فكثير من الحوارات التي تبَث عبر محطات الإذاعة والتلفزيون ( الاتجاه المعاكس في الجزيرة وحوارات فرانس 24 نمودجا)، أو التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي، بل حتى تلك التي تدور في الصالونات والمقاهي، ناهيك عن المدرجات والأقسام الجامعية، والندوات والمؤتمرات...، ( بدون تعميم) تتحول إلى حلبة صراع. وفيها لا تدار الحجج بقدر ما توجه السهام نحو الأشخاص.
من شروط النقاش الرصين الحياد. والحياد ليس ترفا ولا خيارا ثانويا، بل قاعدة أساسية تمنح الحوار قيمته الحقيقية. فعندما يتجرد المتحاور من ميولاته المسبقة، ويتحرر من الأحكام الجاهزة، يصبح قادرا على الإصغاء، وإعادة النظر، بل وحتى مراجعة ذاته. عندها فقط، يكتسب النقاش صبغته الأكاديمية، ويترقى من مجرد جدال إلى مستوى التفكير العلمي الرصين.
الشخصنة خطر يقود دائما إلى الانحراف عن الهدف. وما إن يغيب الحياد حتى يحل محله الانفعال، وتطغى الشخصنة، فيصبح الغرض هو الانتصار للذات لا للحقيقة. يتحول النقاش عندها من سجال حول الأفكار إلى نزاع بين الأشخاص، فتضيع الحقيقة وسط الاتهامات، ويصبح النقاش عقيما يكرس القطيعة بدل أن يفتح أفق التفاهم، ويعمق سوء الفهم بدل أن يضيق هوته.
لكن الحياد لا يعني أبدا التنكر للمعتقدات أو التخلي عن المواقف، بل هو أسلوب راقٍ للتعبير عنها في إطار متوازن يحترم الرأي الآخر ويجادله بالحجة والبرهان. فالمؤمن بقضيته لا يحتاج إلى الصراخ أو إلى الشخصنة ليقنع، وإنما يحتاج إلى منطق رصين وحجة واضحة.
إن الحفاظ على طابع النقاش الأكاديمي مسؤولية نتحملها جميعا، سواء في الساحة الإعلامية أو الأكاديمية أو في النقاشات العامة. وكلما ارتقينا بالحوار إلى مستوى الحياد والموضوعية، كلما عمت الفائدة واتسع مجال التفاهم، وازدادت فرص الاقتراب من الحقيقة التي هي غاية كل نقاش.
واذا كان الحياد شرط أساسي لأي نقاش علمي أو مسؤول، فأنه ليس كافيًا لوحده.لانه اذا كان الحياد
يضمن عدم الانحياز المسبق وعدم السقوط في الشخصنة، إلا انه لا يُنتج بحد ذاته قيمة معرفية ما لم يدعم:
1. بالمعرفة: بمعنى الالمام بالموضوع بأبعاده المختلفة حتى لا يكون الحياد مجرد فراغ أو جهل.
2. بالمنهجية: بمعنى تنظيم الأفكار، واعتماد الحجج، وتوظيف الأدلة المنطقية والعلمية.
3. وبالأخلاق: بمعنى احترام المخاطَب، والإصغاء له، وتجنب التعالي أو السخرية او الاستفزاز.
4. بالجرأة: بمعنى القدرة على اتخاذ موقف واضح بعد استعراض المعطيات، بدل الاكتفاء بالحياد السلبي الذي قد يفسر ضعفا أو ترددا.
وعليه، فإن الحياد إذا كان يظل بوابة ضرورية لأي نقاش رصين، الا انه لوحده لا يكفي. فالنقاش الذي يفتقد إلى المعرفة، ويغيب عنه المنهج، ويتجرد من الأخلاق، ويعوزه قدر من الجرأة، يتحول إلى جلبة عقيمة لا تنتج فكرا ولا تقارب حقيقة.
إننا لا نحتاج إلى منابر جديدة للجدال، بقدر ما نحتاج إلى ثقافة حوار تؤمن بأن الفكرة تواجه بالفكرة، وأن الحقيقة لا تولد من الضجيج، بل من نقاش متزن تمسكه الحجة ويهذبه الاحترام. عندها فقط، يصبح الحوار أداة بناء، لا وسيلة هدم، ويغدو الاختلاف سبيلا إلى الفهم، لا ذريعة للخصام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -نحس- ليونيل ميسي.. طقوس غريبة تمنع رئيس الأرجنتين من السفر!


.. بعد اتهامات ترمب للصين.. واشنطن تطلب مراجعة قوائم الناخبين




.. صفقة الـ 110 مليارات دولار.. صراع قضائي لمنع احتكار الإعلام


.. إسرائيل تقر مستوطنة جديدة بالضفة ليرتفع العدد إلى 104 خلال ع




.. خبير عسكري: إصرار جنرالات الحرس الثوري على الحسم العسكري يعر